Monday, 8 December 2014

ذاكرة القهر



ذاكرة القهر
دراسة حول منظومة التعذيب

ياله من عنوان لكتاب رائع
بالقطع عنوان الكتاب ينبىء بالكثير من الفظائع و الاهوال التي سيتضمنها هذا الكتاب..!
الكتاب هو نسخة منقحة من رسالة الدكتوراة لمؤلفته تم تنقيحها و تبسيطها لكي تكون ملائمة لعموم القراء و ليس فقط المختصون بالطب النفسي او المشرفين على رسالتها..!
و الحقيقة ان فكرة الكتاب رائعة خاصة و قد اضافت المؤلفة الى الكتاب الكثير من الوقائع التي حدثت في السنوات القليلة الماضية في مصر بعد ثورة يناير ٢٠١١ و خاصة ابان حكم المجلس العسكري الستبق و من بعده جماعة الإخوان المسلمين و قليل من الوقائع التي حدثت بعد فض اعتصامي رابعة العدوية و النهضة منتصف عام ٢٠١٣..!
و الحقيقة انني وقبل ان اشتري هذا الكتاب توقعت ان اغلب وقائع التعذيب الواردة فيه ستكون حدثت بالفعل خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بمباركة و رعاية جلاده الأشهر و المأثير حبيب العادلي..الا ان المحزن بل المبكي في الأمر ان اغلب الأمثلة التي استشهدت بها المؤلفة و التي حدثت في مصر حدثت ابان حكم تلمجلس العسكري السابق و بعد ثورة يفترض انها قامت اساسا ضد الظلم و الفساد و تغول الداخلية و فسادها..!!
الكتاب مكون من ستة فصول...
و يتناول ظاهرة التعذيب (من بابها) بداية من تعريف التعذيب و طرقه و اساليبه المختلفة و حنى تورط الطب النفسي في التعذيب و استخدام الأجهزة الأمنية للأطباء النفسيين في عملياتهم القذرة من اجل تعذيب معارضي السلطة و النظام.
في الفصل الأول تتناول الكاتبة تعريف التعذيب كما اصطلح عليه اغلب المنظمات الدولية و الحقوقية و طرق و اساليب التعذيب المختلفة و متى يتم اطلاق لقب (ضحية التعذيب) على شخص تعرض لقهر ما...الخ
اما الفصل الثاني فهو بعنوان (تجربة صادمة و كرب لاحق) و فيه تتناول الكاتبة كرب ما بعد الصدمة او التأثيرات النفسية التي يسببها التعذيب في نفس الضحية لفترة من الزمن بعد انتهاء التعذيب فعليا و هي اخطر من فعل التعذيب نفسه حيث ان كرب ما بعد الصدمة هو ما يؤثر في نفس الضحية و يجعلها غير قادرة على الاندماج في المجتمع بالشكل الذي كانت عليه قبل تعرضها لمحنة التعذيب.
اما الفصل الثالث فهو بعنوان (التبعات النفسية للتعذيب) و فيه تقوم الكاتبة بشرح التبعات النفسية للتعذيب في نفس الضحية و كيف يمكن ان تختلف من ضحية لأخرى ما بين انعزال عن المجتمع او وحدة و انطواء و ربما تتحول الضحية الى شخصية عدوانية...الخ
تشرح الكاتبة ايضا العوامل المؤثرة في التبعات النفسية للتعذيب و كيف تؤثر في جعل تلك التبعات تختلف من شخص لأخر.
اما الفصل الرابع فهو بعنوان ( دراسات ميدانيةعن ضحايا التعذيب) و فيه تتناول الكاتبة دراسة حول ظروف و اوضاع السجون كذلك حول ضحايا التعذيب الناجم عن الإعتقال السياسي و غير السياسي بالإضافة الى عرض دراسة حول متلازمة التعذيب..الخ
اما الفصل الخامس فهو اهم فصل في هذا الكتاب و ربما يصلح كعنوان لكتاب قائم بذاته الا وهو (الجلاد و النظام)  وهو اهم فصول الكتاب و اطولهم و اكثرهم ابداعا من قبل الكاتبة.
و فيه تتناول الكاتبة منهجية بعض نظم الحكم في التعذيب و فلسفتها في هذا التعذيب و تبحث في نفسية اولئك الجلادين المنوطين بذلك التعذيب و اهداف ذلك التعذيب و كيف يكون الهدف من هذا التعذيب هو الانتقام و اذلال الضحية و ارسال رسالة رعب و ترويع و جعل الضحية عبرة للمجتمع بإعتبار ان هذا سيكون مصير كل معارض او كل مؤمن بفكرة ما لا يرض عنها النظام الحاكم السلطوي..!
كما تتناول الكاتبة في هذا الفصل المهم التقنيات التي يستخدمها الجلادون من اجل امتلاك الضحيةو السيطرة عليها تماما..!
في هذا الفصل ايضا تتحدث الكاتبة عن الجمهور غير المشارك في الحدث و الذي غالبا ما ينظر للضحية على انها (تستاهل) و طالما يتم التنكيل بها فهي بالقطع قد اقترفت جرما ما يستحق هذا التنكيل و التعذيب..!
و اخيرا الفصل السادس من هذا الكتاب المهم و هو بعنوان (التعذيب و الممارسة الطبية) و فيه تتناول المؤلفة كيفية تورط الأطباء النفسيين في قضايا التعذيب بشكل او بأخر اما بالمشاركة في عملية التعذيب نفسها سواء بإعطاء الضحية عقار معين او بالقيام بإفاقتها من اجل اكمال وصلة التعذيب..!
و اما بكتابة التقارير التي تبرىء ساحة الجلاد من دم ضحيته..!
و تتحدث الكاتبة عن تلك العبارة التي اصبحت سيئة السمعة لدى المصريين و هي (هبوط حاد في الدورة الدموية) و التي يتم استخدامها هنا في مصر من قبل الأطباء الشرعيين لدى اصدارهم لتقرير عن اسباب وفاة اي معتقل سياسي او سجين او حتى ناشط لقى حتفه و هو في قبضة الأجهزة الأمنية..!
و تسوق لنا الكاتبة في هذا الفصل امثلة لتورط الأطباء النفسيين في خدمة التعذيب في دولة مقل الصين او في الإتحاد السوفيتي قديما مع ذكر بعض الأمثلة التي حدثت في مصر كواقعتي وفاة خالد سعيد و محمد الجندي و التي ورد تقريري الطب الشرعي في الحالتين فيما يشبه المهزلة و المسرحية الهزلية..!
و فيما يلي بعض الملاحظات حول هذا الكتاب:
- افلحت المؤلفة بشكل كبير في تحويل رسالتها العلمية الموجهة الى المختصين الى كتاب عام لعموم القراء..
فهو و للحق يحتاج لجهد مضن و تركيز جبار..و ان كان الكتاب قد احتوى خاصة في فصوله الأولى على الكثير من المصطلحات و التي حاولت تبسيطها قدر الأمكان و نجحت بالفعل في ذلك الى حد كبير.
- معظم الدراسات و الأمثلة التي اوردتها الكاتبة في الكتاب استقتها من دراسات اجنبية اجريت في بلدان مختلفة حول التعذيب و ضحاياه..
و ربما لو كانت هناك دراسات مصرية قد اجريت في هذا الصدد لربما اضافت للكتاب بشدة الا انه ليس خطأ الكاتبة بالطبع و انما هي ازمة مجتمع و ثقافته..!
- لم يتم التركيز على ضحايا التعذيب ابان حكم مبارك على يد داخلية العادلي و انما اغلب الأمثلة و الشهادات التي سيقت من مصر حدثت ابان حكم المجلس العسكري على الرغم انه في اعتقادي ان طول فترة حكم مبارك و ايضا طول فترة جلوس العادلي على موقعه كوزير للداخلية لربما اثمرت عن وقائع تعذيب ربما لا تكفي مجلدات كثيرة لسردها..!
- اغلب شهادات ضحايا التعذيب المصريين الواردة في هذا الكتاب تم الكشف عنها من خلال مركز النديم و هو بالفعل جهد محمود يشكر عليه هذا المركز الهام الذي بالفعل ادركت اهميته و الجهد الذي يقوم به العاملون فيه بعد مطالعتي لهذا الكتاب.
في النهاية ،
انا اعتبر هذا الكتاب من الكتب الهامة بالفعل في مجال مناهضة التعذيب و محاولة فهم التعذيب كمنهج و الغوص في نفسيات الضحايا و الجلادين على حد سواء و كيف يمكن ان يكون التعذيب ممنهج او يكون بمثابة اسلوب و طريقة للحكم..
و ان كنت اتمنى لو ان شهادات الضحايا المصريين احتلت جزءا اكبر في هذا الكتاب الهام و القيم.

الكتاب: ذاكرة القهر (دراسة حول منظومة التعذيب)
الكاتبة: بسمة عبد العزيز
عدد الصفحات: 352 صفحة
الناشر: التنوير للطباعة و النشر و التوزيع
صدرت الطبعة الأولى عام 2014

9 comments: