Saturday, 20 September 2014

يوميات نائب في الأرياف



اعترف انني مقصر و بشدة في الإطلاع على الأدب القديم..
ادب توفيق الحكيم و نجيب محفوظ و يوسف ادريس و يوسف السباعي و غيرهم..!
ربما تشدني و تجذبني بقوة الأعمال الأدبية الحديثة للأدباء الشباب بإعتبارها تحاكي الواقع الحالي و تعبر عني و عن جيلي اكثر..!
الا ان الأعمال القليلة التي قرأتها من قبل لتوفيق الحكيم اكدت لي كم كان هذا الشخص عبقريا ..!
الإسلوب السلس الجميل الجذاب بلا فذلكة و لا استعراض لمفردات لغوية..اضافة الى لغته العصرية ايضا موضوعات كتبه التي لا ترتبط بزمن معين و انما تصلح للقراءة في كل زمان بل و التطبيق ايضا في كل عصر..!
بعد ان انتهيت من رواية (يوميات نائب في الأرياف) لمت نفسي طويلا..!
كيف لم اقرأ هذه الرواية حتى الأن رغم انها رواية شهيرة للغاية و تعتبر من اشهر ما كتب توفيق الحكيم..!
بل اني لم اشاهد الفيلم السينمائي الذي يحمل نفس الإسم و الذي قام ببطولته على ما اظن نور الشريف..!
وجدت هذه الرواية و انا اقوم بترتيب و تنظيم كتبي القديمة..اشتريتها منذ فترة (طبعة مكتبة الشروق) و لم اقرأها نظرا لسفري الدائم و انشغالي خلال الفترة الماضية..!
بل لقد اكتشفت اني كنت قد نسيت اني اشتريتها من الأساس..!
فوجدت نفسي انتقل من مرحلة تصفحها الى قراءتها الى الإنجذاب اليها و لم اترك الرواية الا بعد ان انتهيت منها في جلسة واحدة..!
ما هذا الإسلوب السلس و السرد الشيق الممتع و تلك السخرية المريرة من اوضاع مصر في تلك الفترة (فترة الثلاثينات) و الذي يجعلك تبتسم مع الكاتب ابتسامة ارادها هو مريرة و تحقق له ما اراد.!
الرواية بطلها هو توفيق الحكيم نفسه عندما كان يعمل في بداية حياته وكيلا للنائب العام بإحدى القرى بريف مصر..!
و هي عبارة عن يوميات دونها الكاتب ل ١١ يوما بداية من ١١ اكتوبر و حتى ٢٢ اكتوبر.
احد عشر يوما فقط حدث خلالهما الكثير ..
بدأت بجريمة قتل تم انتدابه للتحقيق فيها و خلال ال ١١ يوم و حتى قفل باب التحقيق بعدم معرفة الفاعل حدث الكثير من الأحداث التي يرصد الكاتب من خلالها احوال الريف المصري و مدى الجهل الذي كان عليه الفلاحين في هذا الوقت من خلال العديد من الوقائع التي رصدها الكاتب لقضايا حقيقية باشرها كوكيل للنائب العام..!
ما كل هذا البؤس و الفقر الذي كان عليه فلاحي مصر..؟!
و ما كل هذا الجهل و السذاجة التي كانت تنضح بها افعالهم و اقوالهم..؟!
و ما كل هذه القوانين الظالمة التي كان يتم الحكم بها على فلاحين معدمين لمجرد ارتكابهم مخالفات كان ارتكابه لهاحتميا في ظل كل هذا الفقر و البؤس الذين يعانون منه..؟!
كيف لفلاح ان يدفع غرامة لمجرد انه قام بغسل ملابسه في الترعة في وقت لا يمتك فيه صنبورا بمنزله..؟!
قضايا كثيرة يمكن و انت تقرأ الرواية تصنفها كونها قضايا كوميدية و غاية في السطحية و التفاهة انما ربما كانت تمثل وقتها مأساة انسانية لأصحابها تعكس بؤس و فقر حال فلاحي مصر وقتها..!
ايضا تناول الكاتب في يومياته بعض جوانب الفساد في اوساط الشرطة و القضاء في ذلك الوقت..!
و كيف ان مأمور المركز لابد ان يكون ولاءه للوزارة الجديدة و ان بقاء ممثلي السلطات سواء التنفيذية او القضائية في اماكنها يخضع لمدى ولائها للوزارة الحاكمة حاليا..!
تناول الكاتب ايضا من ضمن يومياته مدى فساد بعض القضاة الذين يأتون الى المركز لنظر القضايا في الوقت الذي يكون مرتبطا فيه بموعد قطار العودة..!
فلا يستطيع نظر القضايا بشكل سليم بل و يقوم بإصدار الأحكام جزافا و بكل تعنت بدون سماع شهود او مرافعات..!
فساد الشرطة و تزويرها للإنتخابات وردت ايضا في تلك اليوميات العبقرية التي و اذكرك انها تدور احداثها في ثلاثينات القرن الماضي..!!!!
الرواية تعتبر بمثابة دفتر احوال لحال البلاد في تلك الفترة من جهل و فقر و تخلف و فساد و تزوير انتخابات من منظور احد وكلاء النيابة بحسه الأدبي الراقي.
اعود و اذكرك عزيزي القارىء ان احداث الرواية تدور في حقبة الثلاثينات من القرن الماضي حتى لا يوسوس لك شيطانك انها تدور في زماننا - لا سمح الله..!
السطور القادمة لحوار بين مأمور المركز و وكيل النيابة وردت في احداث الرواية:

- المركز مش فاضي اليومين دول للخنق و الحرق.."
- عجايب...انتم لكم شغل غير المحافظة على الأمن؟!
- يعني حضرتك مش فاهم؟...
- لا....مش فاهم
- نترك الإنتخابات و نلتفت للقتل و الخنق...؟!
-طبعا
-التعليمات اللي عندنا غير كدة..!"

و في النهاية اود ان اذكرك اخيرا عزيزي القارىء ان توفيق الحكيم قام بكتابة هذه اليوميات في ثلاثينيات القرن الماضي..!!
حقا.......لا شيء يتغير في مصر..!!

الكتاب:يوميات نائب في الأرياف
الكاتب:توفيق الحكيم
عدد الصفحات: 148صفحة
الناشر: دار الشروق
صدرت الرواية عام 1937
صدرت طبعة دار الشروق الأولى لهذا الكتاب عام 2004


10 comments:

  1. هذا الريفيو عظيم :D

    لخصت الرواية بشكل جميل جدًا...

    أنا أيضـًا قرأتها مؤخرًا رغم أن صديقـًا رشحها لي منذ عدة أعوام وندمت أنني لم أقرأها في حينها

    فعلاً رواية جميلة جدًا وتستحق :)

    في انتظار القادم

    تحياتي

    ReplyDelete