Wednesday, 29 January 2014

طريقي - كمال الجنزوري



من الكتب التي تستهويني قراءتها بشدة بل و ايضا اقتنائها في مكتبتي كتب السيرة الذاتية.
لكتب السيرة الذاتية مكانة خاصة ضمن نوعية الكتب المفضلة لي ذلك انني اجد ان هذه النوعية من الكتب تتضمن بين طياتها اكثر من ميزة..
اول مميزاتها انها في الأغلب الأعم تكون سيرة ذاتية لشخص ناجح و بالتالي فقراءة تلك النوعية من الكتب هي بمثابة نوع من الإستفادة من خبرات الأشخاص الناجحين و معرفة اسرار نجاحهم و كيف تحدوا الصعاب و لماذا نجحوا..
ومن مميزات بعض كتب السيرة الذاتية خاصة اذا كانت سيرة ذاتية لسياسي سابق او حالي هي انها تكشف النقاب عن خبايا و اسرار عالم السياسة و كيف تدار الأمور داخل اروقة الحكم و سلوكيات السادة اصحاب المقام الرفيع تجاه بعضهم البعض او تجاه عامة الشعب..!
كتاب (طريقي) للدكتور كمال الجنزوري رئيس وزراء مصر الأسبق احد تلك الكتب التي حققت المميزات السابق ذكرها عند قراءتها..
فهي سيرة ذاتية للكاتب و ايضا محاولة لكشف بعض اسرار دهاليز و اروقة قصر مبارك..!!
الدكتور كمال الجنزوري احد اشهر من تولوا رئاسة وزراء مصر..تولى ذلك المنصب مرتين اولهما ابان عصر مبارك في الفترة من يناير ٢٠٠٥ و حتى اكتوبر ٢٠٠٦ و كانت اقالته مفاجئة صادمة و غير متوقعة نظرا لنجاح الرجل في منصبه بشكل ملموس لدى المواطن العادي..!
و الثانية خلال حكم المجلس العسكري (طنطاوي و عنان) بنهاية عام ٢٠١١ في مفاجئة مدوية ايضا و من العيار الثقيل..!!
الا ان الدكتور الجنزوري في كتابه (طريقي) لم يتناول فترة تكليفه بالوزارة للمرة الثانية مكتفيا بالتحدث عن الفترة الاولى و ملابسات اقالته من منصبه في ظروف غامضة..!!
من خلال الكتاب يبحر الكاتب معنا في رحلة حياته منذ ان كان طفلا يتعلم في كتاب القرية حتى ثورة يناير ٢٠١١.
يروي الكاتب في الصفحات الأولى من الكتاب نشأته و تعليمه في احدى قرى المنوفية حتى دخوله الجامعة ثم يروي بعد ذلك في تتابع سلس تخرجه من الجامعة و بداية حياته المهنية ثم سفره الى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على الدكتوراة ..
و هناك يحكي لنا الدكتور الجنزوري ما لاقاه هناك من صعوبات سواء في التأقلم او في سبيل حصوله على درجة الدكتوراة و ينقل لنا صورة للمجتمع الأمريكي انذاك  و تعامله اي الكاتب مع اساتذته و زملائه هناك..
و كيف تزامن حصوله على الدكتوراة مع نكسة يونيو ١٩٦٧ و تأثير ذلك عليه و ردة فعله و هو يرى احد زملائه الاسرائيليين و هو يحتفل امام باب منزله بينما هو يبكي بحرقة لما حدث.
هذا الجزء من الكتاب يغلب عليه الجانب الشخصي من حياة الجنزوري فيحكي لنا عن زوجته التي ذكرها في هذا الكتاب بكلمات طيبة و رقيقة كلها عرفانا بجميلها و فضلها على ما وصل اليه..
و ايضا يحكي عن بناته الثلاثة و ولاداتهم و كيفية سعادته و اعتزازه بهم..!
هنا و مع عودة الدكتور الجنزوري الى مصر بعد حصوله على شهادة الدكتوراة يتحول الكتاب الى سيرة ذاتية مهنية و سياسية بحتة مع بداية صعود الدكتور الجنزوري مهنيا كإقتصادي و ايضا سياسيا بعد ان تبوأ اول مناصبه السياسية كمحافظا للوادي الجديد ثم محافظا لبني سويف خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد انور السادات.
يبدأ الجنزوري في سرد مواقف من حياته المهنية بعد ان ترك منصب محافظ بني سويف و عاد مرة اخرى الى معهد التخطيط ليتم اختياره وزيرا للمرة الاولى ليعاصر ٤ رؤساء وزراء قبل ان يصبح هو نفسه رئيسا لمجلس الوزرا في يناير ١٩٩٥ و هم فؤاد محيي الدين و كمال حسن علي و علي لطفي و عاطف صدقي .
الكتاب ملي بالحديث عن انجازات حققها الدكتور الجنزوري اثناء عمله كوزيرا للتخطيط و بالطبع اثناء رئاسته لمجلس الوزراء و كثير من التفاصيل عن المشروعات التي تم انجازها و ايضا السياسات الاقتصادية التي تبناها و التي اصطدمت في كثير من الاحيان مع السياسات الاقتصادية لبعض العاملين معه او بالأحرى المفروضين عليه كيوسف بطرس غالي..!!
ايضا يروي الكاتب كيف كان مرشحا لرئاسة الوزراء من قبل قبل ان يقوم مبارك بتغيير رأيه في اخر لحظة..!!
يحكي ايضا عن لقاءاته و انطباعاته عن عدد من زعماء و قادة الدول سواء العربية او الغربية..!
يحكي عن صدامه ببعض من كانوا حول مبارك و ايضا مبارك نفسه و زوجته و ابنه جمال..!!
يروي الكاتب بعض الملابسات من وجهة نظره التي ادت الى اقصائه من منصبه كرئيس للحكومة و يعزي في ذلك الى تزايد و تنامي شعبيته بين المواطنين بإعتباره نصيرا للفقراء و هو ما اقلق مبارك و حاسيته الذين دأبوا على اقصاء كل من تظهر و تتنامى شعبيته خوفا على شعبية الرئيس..!!
ربما تستخلص عند قراءتك لتلك السيرة الذاتية التي اعتبرها انها كشف حساب من الجنزوري للشعب عما قدمه خلال فترة رئاسته للوزراء في تسعينات القرن الماضي و ايضا شهادة من شخص كان مقربا من الرئيس المخلوع مبارك بحكم منصبه حول كيفما كانت تدار الأمور في اروقة الحكم في مصر بعض النقاط اهمها:
- الجنزوري مثال للمواطن المصري المكافح صاحب القيم الأصيلة الريفية الذي وصل الى ما وصل اليه فقط بفضل جهده و دأبه و مثابرته و ايضا نبوغه في مجال تخصصه.
- العلاقة بين عاطف صدقي رئيس الوزراء الراحل و الجنزوري لم تكن على ما يرام و حاول الدكتور الجنزوري من خلال سرده لبعض المواقف التي جمعته بعاطف صدقي كيف ان العلاقة بينهما لم تكن على مايرام و كيف كان صدقي يرى ان الجنزوري هو المرشح الاول لخلافته و من ثم حاول اكثر من مرة ازاحته عن المشهد لدرجة انه حاول ان يلغي وزارته من الاساس..!!
- الشلة المحيطة بمبارك و بالتحديد زكريا عزمي كانت العامل الاساسي في تسميم الاجواء بين مبارك و رئيس وزرائه و من ثم تسببوا في ازاحته من منصبه على غير المتوقع رغم نجاحاته.
- طريقة تفكير مبارك و غيرته الشديدة من العاملين معه لمجرد نجاحهم او لإشادة احد المسئولين الأجانب بهم امامه تؤكد ان ما وصلت اليه التحوال في مصر في نهاية عصر مبارك لم يأت من فراغ او هو محض صدفة و انما تلك نتيجة حتمية لزوال ملك شخص يفكر بتلك الطريقة الصبيانية..!!
- الصراع بين رجال مبارك و (النفسنة) الرهيبة المتفشية في اوساط هؤلاء الرجال تؤكد ان ثورة يناير كانت حتمية للتخلص من تلك العصابة الحاكمة الذين كانوا همهم الأوحد هو السلطة و البقاء وسط دائرة الضوء ضاربين عرض الحائط بمصالح البلاد و العباد..
- لم يستمر الجنزوري طويلا في منصبه رغم كفائته لانه قرر ان يكون رئيسا للوزرا و ليس احد سكرتارية رئيس الجمهورية..!!
الكتاب جيد و يستحق القراءة و ان تضمه الى مكتبك فهو بمثابة شهادة على عصر مبارك و كيف كانت تدار البلاد في عهده و طبيعة العلاقة بين الحكومة و الرئاسة و ايضا الحكومة و البرلمان من رجل اشتهر بالصدق و الأمانة و النزاهة اضافة الى الإحترافية و العمل الدؤوب.

الكتاب: طريقي
المؤلف: د.كمال الجنزوري
عدد الصفحات: 220 صفحة
الناشر: دار الشروق
الطبعة الأولى: 2013