Monday, 8 December 2014

ذاكرة القهر



ذاكرة القهر
دراسة حول منظومة التعذيب

ياله من عنوان لكتاب رائع
بالقطع عنوان الكتاب ينبىء بالكثير من الفظائع و الاهوال التي سيتضمنها هذا الكتاب..!
الكتاب هو نسخة منقحة من رسالة الدكتوراة لمؤلفته تم تنقيحها و تبسيطها لكي تكون ملائمة لعموم القراء و ليس فقط المختصون بالطب النفسي او المشرفين على رسالتها..!
و الحقيقة ان فكرة الكتاب رائعة خاصة و قد اضافت المؤلفة الى الكتاب الكثير من الوقائع التي حدثت في السنوات القليلة الماضية في مصر بعد ثورة يناير ٢٠١١ و خاصة ابان حكم المجلس العسكري الستبق و من بعده جماعة الإخوان المسلمين و قليل من الوقائع التي حدثت بعد فض اعتصامي رابعة العدوية و النهضة منتصف عام ٢٠١٣..!
و الحقيقة انني وقبل ان اشتري هذا الكتاب توقعت ان اغلب وقائع التعذيب الواردة فيه ستكون حدثت بالفعل خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بمباركة و رعاية جلاده الأشهر و المأثير حبيب العادلي..الا ان المحزن بل المبكي في الأمر ان اغلب الأمثلة التي استشهدت بها المؤلفة و التي حدثت في مصر حدثت ابان حكم تلمجلس العسكري السابق و بعد ثورة يفترض انها قامت اساسا ضد الظلم و الفساد و تغول الداخلية و فسادها..!!
الكتاب مكون من ستة فصول...
و يتناول ظاهرة التعذيب (من بابها) بداية من تعريف التعذيب و طرقه و اساليبه المختلفة و حنى تورط الطب النفسي في التعذيب و استخدام الأجهزة الأمنية للأطباء النفسيين في عملياتهم القذرة من اجل تعذيب معارضي السلطة و النظام.
في الفصل الأول تتناول الكاتبة تعريف التعذيب كما اصطلح عليه اغلب المنظمات الدولية و الحقوقية و طرق و اساليب التعذيب المختلفة و متى يتم اطلاق لقب (ضحية التعذيب) على شخص تعرض لقهر ما...الخ
اما الفصل الثاني فهو بعنوان (تجربة صادمة و كرب لاحق) و فيه تتناول الكاتبة كرب ما بعد الصدمة او التأثيرات النفسية التي يسببها التعذيب في نفس الضحية لفترة من الزمن بعد انتهاء التعذيب فعليا و هي اخطر من فعل التعذيب نفسه حيث ان كرب ما بعد الصدمة هو ما يؤثر في نفس الضحية و يجعلها غير قادرة على الاندماج في المجتمع بالشكل الذي كانت عليه قبل تعرضها لمحنة التعذيب.
اما الفصل الثالث فهو بعنوان (التبعات النفسية للتعذيب) و فيه تقوم الكاتبة بشرح التبعات النفسية للتعذيب في نفس الضحية و كيف يمكن ان تختلف من ضحية لأخرى ما بين انعزال عن المجتمع او وحدة و انطواء و ربما تتحول الضحية الى شخصية عدوانية...الخ
تشرح الكاتبة ايضا العوامل المؤثرة في التبعات النفسية للتعذيب و كيف تؤثر في جعل تلك التبعات تختلف من شخص لأخر.
اما الفصل الرابع فهو بعنوان ( دراسات ميدانيةعن ضحايا التعذيب) و فيه تتناول الكاتبة دراسة حول ظروف و اوضاع السجون كذلك حول ضحايا التعذيب الناجم عن الإعتقال السياسي و غير السياسي بالإضافة الى عرض دراسة حول متلازمة التعذيب..الخ
اما الفصل الخامس فهو اهم فصل في هذا الكتاب و ربما يصلح كعنوان لكتاب قائم بذاته الا وهو (الجلاد و النظام)  وهو اهم فصول الكتاب و اطولهم و اكثرهم ابداعا من قبل الكاتبة.
و فيه تتناول الكاتبة منهجية بعض نظم الحكم في التعذيب و فلسفتها في هذا التعذيب و تبحث في نفسية اولئك الجلادين المنوطين بذلك التعذيب و اهداف ذلك التعذيب و كيف يكون الهدف من هذا التعذيب هو الانتقام و اذلال الضحية و ارسال رسالة رعب و ترويع و جعل الضحية عبرة للمجتمع بإعتبار ان هذا سيكون مصير كل معارض او كل مؤمن بفكرة ما لا يرض عنها النظام الحاكم السلطوي..!
كما تتناول الكاتبة في هذا الفصل المهم التقنيات التي يستخدمها الجلادون من اجل امتلاك الضحيةو السيطرة عليها تماما..!
في هذا الفصل ايضا تتحدث الكاتبة عن الجمهور غير المشارك في الحدث و الذي غالبا ما ينظر للضحية على انها (تستاهل) و طالما يتم التنكيل بها فهي بالقطع قد اقترفت جرما ما يستحق هذا التنكيل و التعذيب..!
و اخيرا الفصل السادس من هذا الكتاب المهم و هو بعنوان (التعذيب و الممارسة الطبية) و فيه تتناول المؤلفة كيفية تورط الأطباء النفسيين في قضايا التعذيب بشكل او بأخر اما بالمشاركة في عملية التعذيب نفسها سواء بإعطاء الضحية عقار معين او بالقيام بإفاقتها من اجل اكمال وصلة التعذيب..!
و اما بكتابة التقارير التي تبرىء ساحة الجلاد من دم ضحيته..!
و تتحدث الكاتبة عن تلك العبارة التي اصبحت سيئة السمعة لدى المصريين و هي (هبوط حاد في الدورة الدموية) و التي يتم استخدامها هنا في مصر من قبل الأطباء الشرعيين لدى اصدارهم لتقرير عن اسباب وفاة اي معتقل سياسي او سجين او حتى ناشط لقى حتفه و هو في قبضة الأجهزة الأمنية..!
و تسوق لنا الكاتبة في هذا الفصل امثلة لتورط الأطباء النفسيين في خدمة التعذيب في دولة مقل الصين او في الإتحاد السوفيتي قديما مع ذكر بعض الأمثلة التي حدثت في مصر كواقعتي وفاة خالد سعيد و محمد الجندي و التي ورد تقريري الطب الشرعي في الحالتين فيما يشبه المهزلة و المسرحية الهزلية..!
و فيما يلي بعض الملاحظات حول هذا الكتاب:
- افلحت المؤلفة بشكل كبير في تحويل رسالتها العلمية الموجهة الى المختصين الى كتاب عام لعموم القراء..
فهو و للحق يحتاج لجهد مضن و تركيز جبار..و ان كان الكتاب قد احتوى خاصة في فصوله الأولى على الكثير من المصطلحات و التي حاولت تبسيطها قدر الأمكان و نجحت بالفعل في ذلك الى حد كبير.
- معظم الدراسات و الأمثلة التي اوردتها الكاتبة في الكتاب استقتها من دراسات اجنبية اجريت في بلدان مختلفة حول التعذيب و ضحاياه..
و ربما لو كانت هناك دراسات مصرية قد اجريت في هذا الصدد لربما اضافت للكتاب بشدة الا انه ليس خطأ الكاتبة بالطبع و انما هي ازمة مجتمع و ثقافته..!
- لم يتم التركيز على ضحايا التعذيب ابان حكم مبارك على يد داخلية العادلي و انما اغلب الأمثلة و الشهادات التي سيقت من مصر حدثت ابان حكم المجلس العسكري على الرغم انه في اعتقادي ان طول فترة حكم مبارك و ايضا طول فترة جلوس العادلي على موقعه كوزير للداخلية لربما اثمرت عن وقائع تعذيب ربما لا تكفي مجلدات كثيرة لسردها..!
- اغلب شهادات ضحايا التعذيب المصريين الواردة في هذا الكتاب تم الكشف عنها من خلال مركز النديم و هو بالفعل جهد محمود يشكر عليه هذا المركز الهام الذي بالفعل ادركت اهميته و الجهد الذي يقوم به العاملون فيه بعد مطالعتي لهذا الكتاب.
في النهاية ،
انا اعتبر هذا الكتاب من الكتب الهامة بالفعل في مجال مناهضة التعذيب و محاولة فهم التعذيب كمنهج و الغوص في نفسيات الضحايا و الجلادين على حد سواء و كيف يمكن ان يكون التعذيب ممنهج او يكون بمثابة اسلوب و طريقة للحكم..
و ان كنت اتمنى لو ان شهادات الضحايا المصريين احتلت جزءا اكبر في هذا الكتاب الهام و القيم.

الكتاب: ذاكرة القهر (دراسة حول منظومة التعذيب)
الكاتبة: بسمة عبد العزيز
عدد الصفحات: 352 صفحة
الناشر: التنوير للطباعة و النشر و التوزيع
صدرت الطبعة الأولى عام 2014

Sunday, 12 October 2014

١٩١٩


١٩١٩
أحمد مراد
في خلال سنوات قليلة اصبح احمد مراد يمثل ايقونة في الأدب المصري الحديث
يمكن ان تطلق عليه (Brand Name)
اسمه على غلاف الرواية كفيل ان يضمن لك انها ستكون رواية (مختلفة) على الأقل..!
رواية ١٩١٩ هي الرواية الرابعة لأحمد مراد بعد فيرتيجو و تراب الماس و الفيل الأزرق.
كل رواية من الأربع روايات تنفرد عن بقية الروايات...
شكل مختلف و اسلوب مختلف و سياق مختلف و طعم مختلف..
هناك ادباء تستطيع ان تتوقع احداث الرواية او حتى زمنها بمجرد ان تقرأ اسم المؤلف الا ان احمد مراد يفاجئك كل مرة من حيث لا تتوقع...!
في فيرتيجو و تراب الماس تناول الفساد و سطوة رجال الأعمال و السياسة و انحرافات بعض الصحفيين في عز جبروت النظام السابق (نظام مبارك).
اما في الفيل الأزرق يفاجئنا احمد مراد برواية سيكوباتية نفسية عميقة..!!
اما في ١٩١٩ يبرز احمد مراد قدراته برواية تاريخية..!
لماذا دائما روايات احمد مراد مثيرة للجدل بين معجب بها للغاية ام غير معجب على الإطلاق..؟!
و لماذا دائما روايات احمد مراد تكون مصحوبة بهالة اعلامية كبيرة تزيد من حجم الإنتقادات التي يصوبها الغير معجبين بالرواية تجاهه..؟!
في رأيي المتواضع ان ذلك يعود الى ان اسلوب احمد مراد دائما مختلف...
يفاجئك من حيث لا تتوقع...
في الفيل الأزرق النهاية المفتوحة و المصطلحات النفسية جعلت منها رواية مختلفة و غير تقليدية 
و في ١٩١٩ جاء مزج التاريخ بالأدب ايضا مختلف و غير تقليدي..
نحن كمصريون نميل اكثر للتقليدية و التغريد ضمن السياق العام للسرب
اعتدنا عليها قديما في الأعمال السينمائية و ايضا الأدبية..!!
الرواية السهلة المريحة ذات النهاية الجميلة..!!
و من هنا تأتي حالة الجدال و الإختلاف حول اعمال مراد الأدبية..!
في ١٩١٩ يمزج احمد مراد بين وقائع تاريخية حدثت بالفعل خلال ثورة ١٩١٩ و السنوات التي تلتها و بين قصص درامية تربط بين شخصيات بعضها من صناعة المؤلف و بعضها حقيقي..!
كان مثيرا للغاية ان تجد الملكة نازلي احدى بطلات الرواية ترتبط بقصة حب مع المناضل الثوري احمد كيرة الذي لا اعلم هل هو شخصية تاريخية حقيقية ام انه من صناعة المؤلف..!!
ايضا من المدهش ان تقرأ رواية يكون احد ابطالها هو سعد زغلول الذي لأول مرة تتعامل معه كبطل للرواية و ليس احد الشخصيات التي تتعرف عليها فقط من خلال كتاب التاريخ...!
الرواية متعددة الشخصيات و لها اكثر من بطل و بطلة...
و ايضا يتنقل بك احمد مراد و انت تقرأ بين عالم السرايات و القصور الملكية و بين بيوت الدعارة مع المرور على عالم الفدائيين و الفتوات و بائعات العوى...!
رواية ثرية في شخصياتها و ان كان ذلك يعتبر سلاحا ذو حدين..
ميزة و عيب في نفس الوقت..
الميزة انه يصنع من الرواية رواية ثرية غنية بالشخصيات و الأحداث...
و العيب في كون كثير من تلك الشخصيات لم تأخذ حقها..
مرت ضمن احداث الرواية مرور الكرام 
او شخصيات بدأت الرواية بقوة و انهتها بخفوت او بنهاية باهتة...!
احمد كيرة و عيد القادر الجن هما بطلي الرواية..!
اعجبتني شخصية احمد كيرة و احسست ان المؤلف بذل مجهودا كبيرا في رسمها و الاعتناء بتفاصيلها اكثر من اهتمامه او الاعتناء برسم شخصية عبد القادر الجن..!
ورد و نازلي و دولت هن بطلات الرواية.
و ان كنت اعتقد ان المؤلف قد اهتم كثيرا بشخصية نازلي على حساب ورد التي جاءات بدايتها قوية في احداث الرواية قبل ان يخبو دورها تدريجيا لينتهي بها الحال في نهاية باهتة مجهولة..!
الا ان مفتاح نجاح و تفرد تلك الرواية من وجهة نظري هو الربط الذي حاول احمد مراد ان يوصله للقارىء بين ثورتي ١٩١٩ و ٢٥ يناير ٢٠١١..!
هناك عوامل مشتركة كثيرة بين الثورتين و احداثهما و مصيرهما و ما آلت اليهما و الأسباب التي ادت الى ما آلتا اليه تلك الثورتين 
هبة الشعب و توحده نحو هدف واحد و فقط...
في ١٩١٩ كان استقلال مصر عن بريطانيا و في ٢٠١١ كان اسقاط نظام مبارك..!
الوحدة الوطنية و الوقوف على قلب رجل واحد و استعداد الجميع لبذل كل غال و نفيس و التضحية بنفسه و بماله من اجل ان تحقق الثورة اهدافها التي اندلعت من اجلها.
نجحت الثورتان في البداية او فلنقل (ظاهريا)..!!
في ١٩١٩ تم الافراج عن سعد زغلول و السماح للوفد المصري بالسفر الى فرساي لعرض قضيتهم امام العالم..!
و في فبراير ٢٠١١ تم الإعلان عن تنحي مبارك عن السلطة و هو ما اعتبره البعض سقوطا لنظام مبارك..!
و لكن ماذا حدث بعد ذلك للثورتين..؟!
في ١٩١٩ اشتعلت الخلافات بين اعضاء الوفد المصري و بدأت تظهر اختلافات الرؤى و التوجهات و القناعات..!
في يناير ٢٠١١ اختلف الثوار و ظهر تباين الأهداف و القناعات و الأيدولوجيات..!!
في ١٩١٩ دفع الفدائيين الوطنيين الثمن غاليا من تعذيب و سجن و اهانة في سبيل جعل الوفد المصري في مركز قوة و اجبار بريطانيا على الرضوخ لمطالب المصريين بإلغاء حمايتها على مصر..!
في يناير ٢٠١١ دفع الكثيرون من الثوار المصريون و لا يزالون الثمن غاليا من ضرب و سحل و تعذيب (كشوف العذرية) و تشويه سمعة (٦ ابريل و التمويل و العمالة للخارج)..!
في ١٩١٩ رضخ الوفد المصري بتصريح فبراير ١٩٢٢ بإلغاء الحماية البريطانية على مصر (شكليا و ظاهريا) فقط ووافق سعد زغلول على رئاسة الحكومة في ز
ظل سيادة وطنية منقوصة و غير كاملة 
لتبدأ محاولات القصر والصحف الموالية له في تعمد تشويهه و ابراز فشله في ادارة البلاد و الوصول لحلول لمشكلات البلاد..!
في يناير ٢٠١١ و كلما مرت الأيام و السنوات رضخ الجميع لحلول تنقذ البقية الباقية من الثورة التي سرعان ما خرج اعداءها من جحورهم مرة اخرى ليبدؤوا حملات غير مسبوقة لتشويهها و النيل منها
اضافة الى تنازل الكثيرون منا عن مطالب قامت الثورة اساسا من اجل تحقيقها و لم تتحقق حتى الأن..!
في ١٩١٩ ركب الثورة بعد ان تولى الوفد رئاسة الحكومة مجموعة من المنتفعين الذين تبوءوا صدارة المشهد و تحكموا في زمام الأمور..!
في يناير ٢٠١١ تبوأ المشهد مجموعة من محبي الظهور و محترفي ركوب الأمواج الثورية و تصدروا المشهد من هم لم يشاركوا في الثورة من الأساس تاركين الفتات ان لم يكن العذاب و التنكيل و التشويه للثوار الحقيقيين الذين نزلوا للشارع يومي ٢٥ و ٢٨ يناير و اشعلوا ثورة شعبية اسقطت رأس النظام و فقط بينما لم تسقط النظام بالكامل..!!
من الأخر
الرواية تريد ان تثبت لك عزيزي القارىء ان ثورة منقوصة هو الجحيم بعينه و الوبال على كل من اشعلها..!
و ايضا ان لا شيء يتغير في مصر و ان المصريين لا يقرأون و لا يتعلمون من تاريخهم الذي يعيد نفسه بكل تبجح و جبروت..!
اذا كنت قد قرأت الرواية من منظور ادبي بحت كشخصيات و احداث ربما لن تعجبك او على الأقل ستراها روابة عادية للغاية..!
اما اذا نظرت الى الرواية من خلال منظورين احدهما ادبي و الأخر فلسفي يبحث عن المغزى من وراءها فلربما ستضعها في مكانة كبيرة تستحقها بالفعل.

الرواية: ١٩١٩
المؤلف: أحمد مراد
عدد الصفحات: ٤٤٦ صفحة
الناشر: دار الشروق
صدرت الطبعة الأولى عام ٢٠١٤


Saturday, 20 September 2014

يوميات نائب في الأرياف



اعترف انني مقصر و بشدة في الإطلاع على الأدب القديم..
ادب توفيق الحكيم و نجيب محفوظ و يوسف ادريس و يوسف السباعي و غيرهم..!
ربما تشدني و تجذبني بقوة الأعمال الأدبية الحديثة للأدباء الشباب بإعتبارها تحاكي الواقع الحالي و تعبر عني و عن جيلي اكثر..!
الا ان الأعمال القليلة التي قرأتها من قبل لتوفيق الحكيم اكدت لي كم كان هذا الشخص عبقريا ..!
الإسلوب السلس الجميل الجذاب بلا فذلكة و لا استعراض لمفردات لغوية..اضافة الى لغته العصرية ايضا موضوعات كتبه التي لا ترتبط بزمن معين و انما تصلح للقراءة في كل زمان بل و التطبيق ايضا في كل عصر..!
بعد ان انتهيت من رواية (يوميات نائب في الأرياف) لمت نفسي طويلا..!
كيف لم اقرأ هذه الرواية حتى الأن رغم انها رواية شهيرة للغاية و تعتبر من اشهر ما كتب توفيق الحكيم..!
بل اني لم اشاهد الفيلم السينمائي الذي يحمل نفس الإسم و الذي قام ببطولته على ما اظن نور الشريف..!
وجدت هذه الرواية و انا اقوم بترتيب و تنظيم كتبي القديمة..اشتريتها منذ فترة (طبعة مكتبة الشروق) و لم اقرأها نظرا لسفري الدائم و انشغالي خلال الفترة الماضية..!
بل لقد اكتشفت اني كنت قد نسيت اني اشتريتها من الأساس..!
فوجدت نفسي انتقل من مرحلة تصفحها الى قراءتها الى الإنجذاب اليها و لم اترك الرواية الا بعد ان انتهيت منها في جلسة واحدة..!
ما هذا الإسلوب السلس و السرد الشيق الممتع و تلك السخرية المريرة من اوضاع مصر في تلك الفترة (فترة الثلاثينات) و الذي يجعلك تبتسم مع الكاتب ابتسامة ارادها هو مريرة و تحقق له ما اراد.!
الرواية بطلها هو توفيق الحكيم نفسه عندما كان يعمل في بداية حياته وكيلا للنائب العام بإحدى القرى بريف مصر..!
و هي عبارة عن يوميات دونها الكاتب ل ١١ يوما بداية من ١١ اكتوبر و حتى ٢٢ اكتوبر.
احد عشر يوما فقط حدث خلالهما الكثير ..
بدأت بجريمة قتل تم انتدابه للتحقيق فيها و خلال ال ١١ يوم و حتى قفل باب التحقيق بعدم معرفة الفاعل حدث الكثير من الأحداث التي يرصد الكاتب من خلالها احوال الريف المصري و مدى الجهل الذي كان عليه الفلاحين في هذا الوقت من خلال العديد من الوقائع التي رصدها الكاتب لقضايا حقيقية باشرها كوكيل للنائب العام..!
ما كل هذا البؤس و الفقر الذي كان عليه فلاحي مصر..؟!
و ما كل هذا الجهل و السذاجة التي كانت تنضح بها افعالهم و اقوالهم..؟!
و ما كل هذه القوانين الظالمة التي كان يتم الحكم بها على فلاحين معدمين لمجرد ارتكابهم مخالفات كان ارتكابه لهاحتميا في ظل كل هذا الفقر و البؤس الذين يعانون منه..؟!
كيف لفلاح ان يدفع غرامة لمجرد انه قام بغسل ملابسه في الترعة في وقت لا يمتك فيه صنبورا بمنزله..؟!
قضايا كثيرة يمكن و انت تقرأ الرواية تصنفها كونها قضايا كوميدية و غاية في السطحية و التفاهة انما ربما كانت تمثل وقتها مأساة انسانية لأصحابها تعكس بؤس و فقر حال فلاحي مصر وقتها..!
ايضا تناول الكاتب في يومياته بعض جوانب الفساد في اوساط الشرطة و القضاء في ذلك الوقت..!
و كيف ان مأمور المركز لابد ان يكون ولاءه للوزارة الجديدة و ان بقاء ممثلي السلطات سواء التنفيذية او القضائية في اماكنها يخضع لمدى ولائها للوزارة الحاكمة حاليا..!
تناول الكاتب ايضا من ضمن يومياته مدى فساد بعض القضاة الذين يأتون الى المركز لنظر القضايا في الوقت الذي يكون مرتبطا فيه بموعد قطار العودة..!
فلا يستطيع نظر القضايا بشكل سليم بل و يقوم بإصدار الأحكام جزافا و بكل تعنت بدون سماع شهود او مرافعات..!
فساد الشرطة و تزويرها للإنتخابات وردت ايضا في تلك اليوميات العبقرية التي و اذكرك انها تدور احداثها في ثلاثينات القرن الماضي..!!!!
الرواية تعتبر بمثابة دفتر احوال لحال البلاد في تلك الفترة من جهل و فقر و تخلف و فساد و تزوير انتخابات من منظور احد وكلاء النيابة بحسه الأدبي الراقي.
اعود و اذكرك عزيزي القارىء ان احداث الرواية تدور في حقبة الثلاثينات من القرن الماضي حتى لا يوسوس لك شيطانك انها تدور في زماننا - لا سمح الله..!
السطور القادمة لحوار بين مأمور المركز و وكيل النيابة وردت في احداث الرواية:

- المركز مش فاضي اليومين دول للخنق و الحرق.."
- عجايب...انتم لكم شغل غير المحافظة على الأمن؟!
- يعني حضرتك مش فاهم؟...
- لا....مش فاهم
- نترك الإنتخابات و نلتفت للقتل و الخنق...؟!
-طبعا
-التعليمات اللي عندنا غير كدة..!"

و في النهاية اود ان اذكرك اخيرا عزيزي القارىء ان توفيق الحكيم قام بكتابة هذه اليوميات في ثلاثينيات القرن الماضي..!!
حقا.......لا شيء يتغير في مصر..!!

الكتاب:يوميات نائب في الأرياف
الكاتب:توفيق الحكيم
عدد الصفحات: 148صفحة
الناشر: دار الشروق
صدرت الرواية عام 1937
صدرت طبعة دار الشروق الأولى لهذا الكتاب عام 2004


Sunday, 24 August 2014

2 ضباط



ساعات كتير نفسك بتهفك على رواية جديدة..!!
الروايات بالنسبة لي زي الأكلات بالضبط..!
ساعات تلاقي نفسك مشتاق لأكلة معينة فتلاقيك تنزل تدور عليها لحد ما تلاقيها و يا سلاااام لو يكون الشيف اللي هيطبخها معروف عنه الحرفية و المهارة...!
شوقي لقراءة رواية جديدة جيدة دفعني للبحث عن تلك الرواية من دون ان يكون لدي ترشيحات مسبقة لأسماء روايات بعينها
ربما كانت اقامتي خارج مصر خلال الثلاث سنوات السابقة سببا في عدم متابعتي الجيدة لأحدث الإصدارات الأدبية خاصة اذا كنت تقيم في احدى الدول التي بها حرية الإبداع و السماح بتداول الكتب (بعافية شوية)..!!
اثناء تجولي داخل اروقة احدى المكتبات الكبرى لفت نظري هذه الرواية (2ضباط) ..!
الصراحة لم يلفت نظري اسم الرواية بقدر ما لفت نظري اسم المؤلف (عصام يوسف)..!
الإسم مش غريب علي..!
انا قرأت من قبل لهذا المؤلف و سرعان ما تذكرت الإسم و ايضا العمل السابق الذي قرأته له..!
رواية (ربع جرام)..!
احد اهم الروايات التي قرأتها منذ فترة طويلة نسبيا ربما منذ سبع سنوات تقريبا..!
لو كنت احد المهتمين بالإصدارات الأدبية لجيل الأدباء الشباب و مغرب بالروايات الحديثة فلعلك بالتأكيد قد قرأت رواية ربع جرام التي لاتزال يتم طباعتها حتى الأن و ربما وصلت عدد طبعاتها لرقمم غير مسبوق..!
اعتقد انني قد وجدت الوجبة التي ابحث عنها..!
رواية و طاهيها معروف لدي و له عمل سابق ايتمتعت به بالفعل...فصرخت
وجدتها..!!
و بالفعل اقتنيتها و قرأتها فأشبعت لدي عطشي لقذاءة رواية جيدة...و لم اندم..!
تدور احداث الرواية من خلال شخصيتين او بالأحرى ضابطين هما بطلا الرواية..!
هنا الرواية لها بطلين و ليس بطلا واحدا كأغلب الروايات
الرواية تدور في خطين متوازيين تماما لا يجمعهما اي نقطة التقاء حتى نصل فجأة الى نقطة لقاء مفاجئة تماما بين بطلي الرواية لتتشابك و تتصاعد الأحداث و تسير الرواية في خط درامي واحد يجمع بين بطلي الرواية..!
بطلي الرواية ضابطي شرطة ينتميان للطبقة المتوسطة..احدهما ضابط مثالي للغاية يكاد يكون ملاكا بجناحين و الأخر فاسد للغاية يكاد يكون احد تلاميذ ابليس و هو (شريف)..!
تبدأ احداث الرواية منذ بدايات التسعينات تقريبا و كلا الشابين يستعدان لدخول كلية الشرطة و تستمر الأحداث و تتصاعد حتى عام ٢٠١٢.
اي ان اغلب احداث الرواية تدور خلال فترة تولي حبيب العادلي مقاليد وزارة الداخلية في مصر ابان عصر الرئيس المخلوع مبارك...!
منذ الصفحة الأولى للرواية و مع انهماكك في القراءة ينتابك احساس انك تقرأ روايتين منفصلتين تماما القاسم المشترك بينهما هو ان كلا البطلين ضابطي شرطة..!
وليد بمثاليته و اخلاصه و انهماكه في عمله و تدينه و ترابط و تماسك اسرته و حبه لخطيبته التي اصبحت زوجته و علاقته بشلة اصدقائه و ايضا علاقته بزملاء عمله و قياداته، كل ذلك يجعلك تحس ان الهدف من تلك الرواية هو تجميل صورة الشرطة من خلال شخصية الضابط وليد التي تكاد ان تكون شخصية خيالية من فرط مثاليتها..!
الا ان تطور الفساد داخل شخصية البطل الأخر للرواية (شريف) و توحشه مع امتلاكه للثروة بجانب النفوذ و السلطة و تطور الشر داخل شخصيته حتى يصل لدرجة متوحشة بهذا الشكل يجعلك تحسن الظن بالكاتب فعلا و ان هذه الرواية ليست من اجل تجميل الوجه القبيح للداخلية مثلما ظننت للوهلة الأولى..!
كان الكاتب بارعا بالفعل في نقطة التقاء بطلي الرواية..!
تلك النقطة التي وحدت خطي الرواية الى خط واحد يجمع بطلي الرواية..هنا فقط ادركت انني اقرأ رواية واحدة بالفعل و ليس روايتين..!
و هي نقطة التقاء مفاجئة و غير متوقعة (على الأقل بالنسبة لي)..!
و هذه بعض الملاحظات بعضها ايجابي و بعضها سلبي 
- صفحات الرواية غارقة في التفاصيل بشكل يكاد القارىء ان يمل منه خاصة بين وليد و اصدقاؤه..!
حوارات بتفصيلات دقيقة للغاية..!
فعلها الكاتب من قبل في ربع جرام و ها هو يكررها في ٢ ضباط و يبدو ان هذا هو اسلوب عصام يوسف في الكتابة و هو ما يجعل من رواياته ضخمة الحجم كثيرة الصفحات (كلا الروايتين تعدت صفحاتهما ال 400 صفحة)..!
- المح الكاتب و في اكثر من موضع في الرواية الى فساد الداخلية و كيف ان الواسطة و المحسوبية و استغلال النفوذ سمة سائدة في اوساط الداخلية و بسببها يستمر الضباط الفاسدون في الخدمة حتى و ان تغيرت المواقع لمجرد ان هناك من يقف وراءه و يحميه..!
و هي جرأة تحسب للمؤلف بالفعل..!
- اعجبني بشدة تلميح الكاتب لفساد وزير الداخلية الأسبق من خلال تحقيقه لمكاسب شخصية رغم علمه ان تلك المكاسب قد حصل عليها بطريقة غير مشروعة من شخص مشبوه و معاملاته التجارية تضعه تحت طائلة القانون..!
و ان كان الكاتب قد وضع استفادة الوزير السابق تتم من خلال احد اللواءات الفاسدين و ترك الباب مفتوحا لإجتهاد القارىء هل تتم هذه الأفعال المشبوهة و التي يتم الزج فيها بإسم وزير الداخلية بعلمه ام لا؟!!
(ربما ارادها الكاتب هكذا حتى لايضع نفسه تحت طائلة القانون)
- بالغ المؤلف في وصف مثالية الضابط وليد بجعله ضابطا يترفع عن الوساطة و المحسوبية لدرجة انه لا يبرز كارنيه الشرطة عند مروره بكمين لفحص الرخص مثلا ..!
و اعتقد ان تلك صفات خيالية ربما ان وجدت فعدد من يتسمون بتلك الصفات من بين ضباط الشرطة في مصر لا يتعدى الواحد في العشرة الاف..!!
- في رأيي فإن فساد بطل الرواية الأخر (شريف) كان منطقيا للغاية و هو المثال الحي لضابط الشرطة عندما يفسد..!
الشخصية بتطلعاتها بفسادها بتوحشها بعشقها للجمع بين السلطة و الثروة رسمها المؤلف بدقة و احترافية و واقعية شديدة
- حاول المؤلف ان يوازن بين  فساد بطل الرواية (شريف) و معه زملاءه الضباط الفاسدين و ايضا احد اللواءات الذي يقوم بإستغلال نفوذه و اسم الوزير من اجل التربح بالإضافة الى عدم شفافية جهاز الرقابة على اداء الضباط (التفتيش) و خضوعه للمحسوبية بحيث يتغاضى عن وقائع فساد احد الضباط لمجرد مصاهرته لأحد رجال الأعمال من ذوي النفوذ و بين النماذج المشرفة لبعض افراد الداخلية مثل الضابط وليد و مجموعته الذي ضحى بعضهم بحياته في عمليات قتالية من اجل الوطن..!
اي ان المؤلف اراد ان يوصل الفكرة بطريقة مباشرة للغاية ان كل اجهزة الدولة تضم الشريف و الفاسد و انه لا توجد منظومة تضم فاسدين فقط او شرفاء فقط..!
و لكن يبقى السؤال..:
لمن تكون الغلبة في النهاية و من يحصل على حقه او ينال ما يستحقه هل هو الشريف ام الفاسد؟!
خطة اقتحام المحطة من قبل وليد و مجموعته كتبت ايضا بحرفية شديدة رغم انها ايضا تضمنت تفصيلات غاية في الدقة ربما كان القارىء في غنى عنها..!
الرواية جيدة جدا..الا انها طويلة للغاية مليئة في التفاصيل..!
في رأيي انها اقل من حيث المستوى من ربع جرام..
الا انها تبقى رواية تستحق القراءة.

الكتاب: 2 ضباط
المؤلف: عصام يوسف
عدد الصفحات: 520 صفحة
الناشر: الدار المصرية اللبنانية
صدرت الطبعة الأولى في سبتمبر 2013

Wednesday, 29 January 2014

طريقي - كمال الجنزوري



من الكتب التي تستهويني قراءتها بشدة بل و ايضا اقتنائها في مكتبتي كتب السيرة الذاتية.
لكتب السيرة الذاتية مكانة خاصة ضمن نوعية الكتب المفضلة لي ذلك انني اجد ان هذه النوعية من الكتب تتضمن بين طياتها اكثر من ميزة..
اول مميزاتها انها في الأغلب الأعم تكون سيرة ذاتية لشخص ناجح و بالتالي فقراءة تلك النوعية من الكتب هي بمثابة نوع من الإستفادة من خبرات الأشخاص الناجحين و معرفة اسرار نجاحهم و كيف تحدوا الصعاب و لماذا نجحوا..
ومن مميزات بعض كتب السيرة الذاتية خاصة اذا كانت سيرة ذاتية لسياسي سابق او حالي هي انها تكشف النقاب عن خبايا و اسرار عالم السياسة و كيف تدار الأمور داخل اروقة الحكم و سلوكيات السادة اصحاب المقام الرفيع تجاه بعضهم البعض او تجاه عامة الشعب..!
كتاب (طريقي) للدكتور كمال الجنزوري رئيس وزراء مصر الأسبق احد تلك الكتب التي حققت المميزات السابق ذكرها عند قراءتها..
فهي سيرة ذاتية للكاتب و ايضا محاولة لكشف بعض اسرار دهاليز و اروقة قصر مبارك..!!
الدكتور كمال الجنزوري احد اشهر من تولوا رئاسة وزراء مصر..تولى ذلك المنصب مرتين اولهما ابان عصر مبارك في الفترة من يناير ٢٠٠٥ و حتى اكتوبر ٢٠٠٦ و كانت اقالته مفاجئة صادمة و غير متوقعة نظرا لنجاح الرجل في منصبه بشكل ملموس لدى المواطن العادي..!
و الثانية خلال حكم المجلس العسكري (طنطاوي و عنان) بنهاية عام ٢٠١١ في مفاجئة مدوية ايضا و من العيار الثقيل..!!
الا ان الدكتور الجنزوري في كتابه (طريقي) لم يتناول فترة تكليفه بالوزارة للمرة الثانية مكتفيا بالتحدث عن الفترة الاولى و ملابسات اقالته من منصبه في ظروف غامضة..!!
من خلال الكتاب يبحر الكاتب معنا في رحلة حياته منذ ان كان طفلا يتعلم في كتاب القرية حتى ثورة يناير ٢٠١١.
يروي الكاتب في الصفحات الأولى من الكتاب نشأته و تعليمه في احدى قرى المنوفية حتى دخوله الجامعة ثم يروي بعد ذلك في تتابع سلس تخرجه من الجامعة و بداية حياته المهنية ثم سفره الى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على الدكتوراة ..
و هناك يحكي لنا الدكتور الجنزوري ما لاقاه هناك من صعوبات سواء في التأقلم او في سبيل حصوله على درجة الدكتوراة و ينقل لنا صورة للمجتمع الأمريكي انذاك  و تعامله اي الكاتب مع اساتذته و زملائه هناك..
و كيف تزامن حصوله على الدكتوراة مع نكسة يونيو ١٩٦٧ و تأثير ذلك عليه و ردة فعله و هو يرى احد زملائه الاسرائيليين و هو يحتفل امام باب منزله بينما هو يبكي بحرقة لما حدث.
هذا الجزء من الكتاب يغلب عليه الجانب الشخصي من حياة الجنزوري فيحكي لنا عن زوجته التي ذكرها في هذا الكتاب بكلمات طيبة و رقيقة كلها عرفانا بجميلها و فضلها على ما وصل اليه..
و ايضا يحكي عن بناته الثلاثة و ولاداتهم و كيفية سعادته و اعتزازه بهم..!
هنا و مع عودة الدكتور الجنزوري الى مصر بعد حصوله على شهادة الدكتوراة يتحول الكتاب الى سيرة ذاتية مهنية و سياسية بحتة مع بداية صعود الدكتور الجنزوري مهنيا كإقتصادي و ايضا سياسيا بعد ان تبوأ اول مناصبه السياسية كمحافظا للوادي الجديد ثم محافظا لبني سويف خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد انور السادات.
يبدأ الجنزوري في سرد مواقف من حياته المهنية بعد ان ترك منصب محافظ بني سويف و عاد مرة اخرى الى معهد التخطيط ليتم اختياره وزيرا للمرة الاولى ليعاصر ٤ رؤساء وزراء قبل ان يصبح هو نفسه رئيسا لمجلس الوزرا في يناير ١٩٩٥ و هم فؤاد محيي الدين و كمال حسن علي و علي لطفي و عاطف صدقي .
الكتاب ملي بالحديث عن انجازات حققها الدكتور الجنزوري اثناء عمله كوزيرا للتخطيط و بالطبع اثناء رئاسته لمجلس الوزراء و كثير من التفاصيل عن المشروعات التي تم انجازها و ايضا السياسات الاقتصادية التي تبناها و التي اصطدمت في كثير من الاحيان مع السياسات الاقتصادية لبعض العاملين معه او بالأحرى المفروضين عليه كيوسف بطرس غالي..!!
ايضا يروي الكاتب كيف كان مرشحا لرئاسة الوزراء من قبل قبل ان يقوم مبارك بتغيير رأيه في اخر لحظة..!!
يحكي ايضا عن لقاءاته و انطباعاته عن عدد من زعماء و قادة الدول سواء العربية او الغربية..!
يحكي عن صدامه ببعض من كانوا حول مبارك و ايضا مبارك نفسه و زوجته و ابنه جمال..!!
يروي الكاتب بعض الملابسات من وجهة نظره التي ادت الى اقصائه من منصبه كرئيس للحكومة و يعزي في ذلك الى تزايد و تنامي شعبيته بين المواطنين بإعتباره نصيرا للفقراء و هو ما اقلق مبارك و حاسيته الذين دأبوا على اقصاء كل من تظهر و تتنامى شعبيته خوفا على شعبية الرئيس..!!
ربما تستخلص عند قراءتك لتلك السيرة الذاتية التي اعتبرها انها كشف حساب من الجنزوري للشعب عما قدمه خلال فترة رئاسته للوزراء في تسعينات القرن الماضي و ايضا شهادة من شخص كان مقربا من الرئيس المخلوع مبارك بحكم منصبه حول كيفما كانت تدار الأمور في اروقة الحكم في مصر بعض النقاط اهمها:
- الجنزوري مثال للمواطن المصري المكافح صاحب القيم الأصيلة الريفية الذي وصل الى ما وصل اليه فقط بفضل جهده و دأبه و مثابرته و ايضا نبوغه في مجال تخصصه.
- العلاقة بين عاطف صدقي رئيس الوزراء الراحل و الجنزوري لم تكن على ما يرام و حاول الدكتور الجنزوري من خلال سرده لبعض المواقف التي جمعته بعاطف صدقي كيف ان العلاقة بينهما لم تكن على مايرام و كيف كان صدقي يرى ان الجنزوري هو المرشح الاول لخلافته و من ثم حاول اكثر من مرة ازاحته عن المشهد لدرجة انه حاول ان يلغي وزارته من الاساس..!!
- الشلة المحيطة بمبارك و بالتحديد زكريا عزمي كانت العامل الاساسي في تسميم الاجواء بين مبارك و رئيس وزرائه و من ثم تسببوا في ازاحته من منصبه على غير المتوقع رغم نجاحاته.
- طريقة تفكير مبارك و غيرته الشديدة من العاملين معه لمجرد نجاحهم او لإشادة احد المسئولين الأجانب بهم امامه تؤكد ان ما وصلت اليه التحوال في مصر في نهاية عصر مبارك لم يأت من فراغ او هو محض صدفة و انما تلك نتيجة حتمية لزوال ملك شخص يفكر بتلك الطريقة الصبيانية..!!
- الصراع بين رجال مبارك و (النفسنة) الرهيبة المتفشية في اوساط هؤلاء الرجال تؤكد ان ثورة يناير كانت حتمية للتخلص من تلك العصابة الحاكمة الذين كانوا همهم الأوحد هو السلطة و البقاء وسط دائرة الضوء ضاربين عرض الحائط بمصالح البلاد و العباد..
- لم يستمر الجنزوري طويلا في منصبه رغم كفائته لانه قرر ان يكون رئيسا للوزرا و ليس احد سكرتارية رئيس الجمهورية..!!
الكتاب جيد و يستحق القراءة و ان تضمه الى مكتبك فهو بمثابة شهادة على عصر مبارك و كيف كانت تدار البلاد في عهده و طبيعة العلاقة بين الحكومة و الرئاسة و ايضا الحكومة و البرلمان من رجل اشتهر بالصدق و الأمانة و النزاهة اضافة الى الإحترافية و العمل الدؤوب.

الكتاب: طريقي
المؤلف: د.كمال الجنزوري
عدد الصفحات: 220 صفحة
الناشر: دار الشروق
الطبعة الأولى: 2013