Saturday, 15 September 2012

مبارك و زمانه من المنصة الى الميدان


مبارك و زمانه
 من المنصة الى الميدان
اخيرا اصبح هذا الكتاب بين يدي و قرأته...!!!
لهذا الكتاب و قراءتي له قصة طريفة..فلقد صدر هذا الكتاب في بداية العام و كنت حينها في المملكة العربية السعودية حيث اعمل و لقد قامت جريدة الشروق بنشر بعض اجزاء من هذا الكتاب في اعدادها اليومية فإستهوتني بشدة قراءته و انتظرت بفارغ الصبر ان احصل عليه من وكيل دار الشروق بالسعودية
الا ان انتظاري طال قبل ان يواجهني احدهم بالحقيقة المرة و هي انه علي الا انتظر فلن يطرح هذا الكتاب للبيع في السعودية ابدا..!!
فإنتظرت حتى حان موعد اجازتي السنوية و نزلت الى مصر و ذهبت لإحدى مكتبات دار الشروق لأحصل على نسختي من كتاب طال اشتياقي لقراءته شهورا الا ان الصدمة كانت من نصيبي و هي عدم توافر الكتاب بعد نفاذ كامل النسخ من الطبعة الحالية و علي اذن الانتظار للطبعة القادمة اذا اردت الحصول على نسختي..!!
الا انني لم ايأس و بحثت عن هذا الكتاب في عدة فروع لمكتبات عدة قبل ان اجد ضالتي في نسخة وحيدة متبقية موجودة بمكتبة ديوان فرع مصر الجديدة نجحت بالفعل في الحصول عليها بعد ان قمت بحجزها تليفونيا و هرولت لشراءها قبل ان يسبقني احد و يقوم بالحصول عليها قبلي..!!
و الحق انني و بعد ان قرأت بل التهمت هذا الكتاب التهاما لم اندم ابدا على سعيي الحثيث و حرصي على اقتناء نسخة من هذا الكتاب الرائع.
بالتأكيد فإن مؤلف هذا الكتاب الاستاذ محمد حسنين هيكل لا يحتاج الى تعريف به او الحديث عنه فهو كالنار على العلم
وجود اسم الكاتب الكبير الاستاذ هيكل على غلاف كتاب ضمان كاف ان الصفحات التي يضمها هذا الكتاب بمثابة جواهر و لألىء ليست مجرد صفحات
هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية لمبارك او حتى محاكمة لعصره او لما اقترفه في حق هذا البلد و انما هو بمثابة محاولة من الكاتب الكبير لطرح العديد من المواقف التي جمعته بمبارك و انطباعه عن تلك المواقف و ايضا انطباعات شخصيات عامة و عالمية جمعتهم بهيكل عن مبارك و يترك الكاتب الكبير للقارىء محاولة استنتاج دلالات تلك المواقف و الانطباعات في رسم صورة لشخصية رجل حكم مصر حوالي ٣٠ عاما.
في مقدمة الكتاب يوضح الأستاذ هيكل وجهة نظره في المحاكمة التي جرت لمبارك و التي كان يرى انها لابد ان تكون محاكمات عن مجمل الثلاثين عاما التي حكم فيها مبارك مصر و التي ادت الى ما آلت اليه الأحوال الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية في مصر من ترد رهيب لا ان تكون مجرد محاكمته على جرائم قتل المتظاهرين.
الكتاب من عدة فصول و يتناول العديد من المنعطفات في علاقة الكاتب الكبير بالرئيس السابق و ايضا التحولات العديدة التي شهدها الشرق الأوسط و المنطقة العربية و التي انعكست بالتحديد على مدى قوة و نفوذ مبارك و ايضا صبت في تأكيد تدعيم و تثبيت و احكام قبضته على حكم مصر
في الصفحات الأولى يوضح الكاتب الكبير كيف التقى مبارك للمرة الأولى عندما كان مسئولا في القوات الجوية و كيف بزغ نجم مبارك بعد حرب اكتوبر و ايضا كيف برع مبارك في ان يوطد علاقته دائما بالقيادات العليا في الجيش خلف ظهر قيادته المباشرة..!!
ايضا يكشف الكاتب في هذا الكتاب اسرار تكشف لأول مرة عن ضلوع مبارك بشكل او بأخر في تصفية احد المعارضين السودانيين جسديا بإرسال سلة مانجو ملغمة اليه (كان ذلك ابان حكم جمال عبدالناصر)..!!
و يحكي الكاتب الكبير كيف تكشف هذا السر و هذا الدور الذي لعيه مبارك في تلك الواقعة و هو يطالع اوراق قديمة تخص سامي شرف وزير شئون الرئاسة في عهد عبد الناصر و الذي حكم عليه بالسجن في قضية مراكز القوى الشهيرة في عهد الرئيس السادات..!!
ايضا يروي الكاتب الكبير عبر صفحات هذا الكتاب تفاصيل لقائه الأول بمبارك بعد توليه رئاسة الجمهورية و ايضا لقائهما بعيد ذلك منفردين بناءا على طلب مبارك في حديث امتد بينهما لساعات طويلة و يرويه الكاتب الكبير بتفاصيل مدهشة تستطيع من خلالها ان تستشف طبيعة هذا الرجل الذي حكم مصر في ظرف استثنائي و قدري بحت و طريقة تفكيره و رؤيته التي اوصلتنا الى ما نحن فيه حاليا..!!
يروي الكاتب ايضا عن انطباعات الرئيس الفرنسي في ذلك الوقت (فرانسوا ميتران) عن الرئيس المصري الجديد مبارك و كيف ان هناك في باريس من يعرفونه جيدا ليكتشف الكاتب بعد ذلك ضلوع مبارك ممثلا لمصر في اجتماعات امنية لمجموعة تسمى (السفاري) التي كانت تضم مصر و السعودية و ايران و المغرب و فرنسا بمباركة امريكية و بموافقة اسرائيلية الهدف منها الحد من نفوذ الاتحاد 
السوفيتي في منطقة الشرق الاوسط و القارة الإفريقية و كان مبارك يمثل مصر كنائبا لرئيس الجمهورية بعد ان كان يمثلها قبله اشرف مروان في اجتماعات تلك المجموعة.
واقعة السودان و ايضا قصة مجموعة السفاري اعطت للكاتب الكبير ايامها انطباعا ان مبارك ليست بالشخصية الهينة و ان ورائه الكثير من الأسرار و المتاهات و انه ليس مجرد (بقرة ضاحكة) مثلما كان الناس يتندرون عليه و يصفونه بتلك الصفة في ذلك الوقت..!!
الكتاب مليء في طياته بالعديد و العديد من المواقف التي عاشها هيكل بنفسه و احتك بها بشكل مباشر مع مبارك او التي سمعها من المحيطين به عن تصرفات و انطباعات مبارك و التي في اغلبها تكون صورة في منتهى السلبية حول طريقة تفكير شخص حكم مصر اكثر من ربع قرن من الزمان..!!
اشد ما روعني بالفعل هي واقعة يرويها هيكل عن المشير الجمسي و التي قصها عليه و تتناول رد فعل مبارك بعد وفاة قرينة الفريق الجمسي في باريس و كيف علق مبارك على حادثة نقل الجثمان من باريس الى القاهرة بشكل اقل ما يقال عنه انه بشع و خال من الإنسانية..!!
يتناول هيكل في صفحات هذا الكتاب ايضا طريقة تعامل مبارك مع اول انتخابات برلمانية تجرى في عهده و كيف انه وضع سلفا تركيبة المجلس الجديد بحيث لا تزيد نسبة المعارضة فيه عن ٥ ٪ فقط لا غير و كيف انه وضع قائمة كاملة من اسماء لا يجب ان تدخل البرلمان تحت اي ظرف او مسمى..!!
و العجيب ان هذه القائمة قد ضمت اسماء من المعارضة و اخرى من الحزب الوطني و على رأس تلك القائمه شقيقه سامي مبارك..!!!
(سامي مبارك) هذا كان فيما يبدو هو عقدة مبارك منذ الصغر و الذي رفض بإستماتة ان يدخل انتخابات مجلس الشعب تحت اي مسمى و هو ما اضطر الرجل الى ان ينزل الانتخابات على قوائم حزب الوفد و استطاع ان ينجح رغم انف مبارك بعدما عجز اللواء حسن ابو باشا و زير الداخلية وقتها على التزوير ضد الرجل نظرا لشعبيته الجارفة بالفعل و هو ما ادى الى اقالة اللواء ابو باشا فور الانتهاء من الانتخابات و في اول تعديل وزاري عقابا له على نجاح شقيق الرئيس رغما عن انف الرئيس..!!!!!
من ضمن فصول الكتاب فصل بعنوان (الأمن و التأمين) و يتناول فيه الكاتب الكبير الكثير من الحكايات التي تؤكد هوس مبارك بفكرة الأمن و تأمينه و كيف ان فكرة تأمين رئيس مصر على هذا النحو هي فكرة امريكية في الاساس صاحبها هو هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق و الذي وضع خطة امنية محكمة لتأمين الرئيس السادات بعد حرب اكتوبر و بداية توجه السادات نحو الصلح مع اسرائيل 
و على الرغم انها لم تستطع ان تحمي السادات من قدره المحتوم الا ان مبارك كان اكثر هوسا بالأمن من سلفه و تستطيع ان تستشف مما يرويه هيكل عن اجراءات الأمن التي كان يتبعها مبارك انه كان مرضا بالأمن..!!
احد فصول الكتاب بعنوان (حسين سالم) و فيه يحكي الكاتب الكبير عن لقاء جمعه مصادفة بحسين سالم على احدى الطائرات المتجهة الى جنيف و كيف جمعتهما تلك الرحلة و بعدها لقاء على الغذاء واجه خلالهما هيكل حسينسالم بما يقال عن اتجار في السلاح و مدى تورط مبارك في تلك التجارة..
الا ان ما كتبه هيكل حول ما ذكره حسين سالم في هذا الصدد انما يدينه هو و مبارك لا يبرئه اطلاقا..!!
فصل في الكتاب بعنوان (اشرف مروان) و في هذا الفصل من الكتاب يتناول فيه هيكل قضية اشرف مروان و ما ذكرته اسرائيل عن انه كان جاسوسها في مصر و ما اثير حول احتمالية ان يكون عميلا مزدوجا ارسلته مصر لخداع اسرائيل و تزويدها بمعلومات خاطئة و تضليلها قبل اندلاع حرب اكتوبر ١٩٧٣.
الا انه و للحق فور ان تنتهي من قراءة هذا الفصل من الكتاب الا و تجد نفسك امام معضلة حقيقية فلا انت تجزم بكونه كان جاسوسا متآمرا و لا تستطيع ان تؤكد انه كان بطلا مغوارا
حوار اشرف مروان مع هيكل و الذي اورده في هذا الكتاب يؤكد ان ما بين اشرف مروان و كلا من مبارك و عمر سليمان اسرار عميقة لم يكشف عنها النقاب بعد و اعتقد انه لن يكشف مستقبلا  بعدما اصبح اثنان من اضلاع هذا المثلث في ذمة الله و اعتقد ان الضلع الباقي من هذا المثلث لن يتحدث ابدا..!!!
الكتاب رائع رائع...يكشف النقاب عن الكثير من الوقائع الغامضة و التي تكشف الكثير عن طريقة تفكير و تصرفات فرعون مصر الأخير و ايضا يحتوي على الكثير من الوقائع الأخرى التي تؤكد مدى سيكوباتية شخصية مبارك و لا تملك الا ان تتعجب من تلك المفارقة القدرية التي اوصلت رجلا بهذه العقلية و تلك الصفات الى سدة الحكم في مصر بل و تندهش و تضرب كفا بكف كيف استطاع هذا الرجل ان يحكم بلدا مثل مصر لمدة ثلاثين عاما..!!
الكتاب مكون من تسعة عشر فصلا مليئة بالوقائع التاريخية و التحليلات و الأسرار و الإنطباعات و الأحداث..كتاب لا يستمد اهميته من مجرد اسم مؤلفه فقط بل ايضا من موضوعه الهام و الشائك عن فرعون مصر الأخير و ايضا عما يتناوله من تاريخ حديث عشنا اغلب احداثه و لا نزال.
الكتاب رائع و قيم و لابد من شراءه و اقتنائه و ضمه للمكتبة بإعتباره من اهم ما كتب حتى الأن عن حقبة مبارك و بإعتبار ان مؤلفه هو الأستاذ محمد حسنين هيكل و عندما يتحدث هيكل فلابد ان ينصت الجميع.


الكتاب: مبارك و زمانه من المنصة الى الميدان

المؤلف: محمد حسنين هيكل
عدد الصفحات: 312 صفحة
الناشر: دار الشروق
صدرت الطبعة الأولى عام 2012