Sunday, 25 December 2011

كل رجال الباشا

كل رجال الباشا
محمد علي و جيشه و بناء مصر الحديثة
عودة مرة اخرى للكتب التاريخية..
للكتب التاريخية مكانة خاصة ضمن اولويات قراءاتي خاصة عندما تتناول حقبة تاريخية ما تكون معلوماتي عنها ليست بالمستفيضة..
حقبة تولي محمد علي باشا حكم مصر و الفترة التي قضاها في الحكم يؤسس فيها الدولة المصرية الحديثة من الحقب التاريخية الممتعة التي كنت حريصا على القراءة عنها و تأملها بدقة.
و بالفعل فقد اشتريت هذا الكتاب  اعتقادا مني انه كتاب يتناول السيرة الذاتية لمحمد علي ابان حكمه لمصر و حاشيته اي رجاله المحيطين به (كما يفهم من العنوان)..!!
الا ان فحوى الكتاب  لا يتضمن هذا المحتوى اطلاقا...بل هو معني اكثر بنشأة الجيش المصري على يد محمد علي و رجاله.
اي ان الكتاب بالأساس معني بكيفية تأسيس محمد علي للجيش المصري الذي من خلاله  ان يؤسس امبراطوريته و ان يحارب عدة حروب و ان يكون قوة فاعلة في المنطقة يحسب لها الف حساب.
بداية...فإن مؤلف هذا الكتاب (خالد فهمي) غير متعاطف مع محمد علي من الأساس و يرى ان مقولة انه (باني مصر الحديثة) فيها الكثير من المبالغة..!!
و ان المؤرخين الذين رأوا ان محمد علي قد انشأ مصر من العدم فيه الكثير من الإفتراء على المصريين و دورهم في بناء دولتهم..
و ايضا يرى المؤلف ان امبراطورية محمد علي العسكرية و حروبه في كل من السودان و الحجاز و اليونان و سوريا لم تكن نابعة من رغبته في تحقيق استقلال مصر عن الدولة العثمانية كما يزعم اغلب المؤرخين و انما كانت نابعة في الأساس  من (أطماعه) التوسعية و رغبته في تحقيق المجد الشخصي له و لأسرته من بعده.
الكتاب يتناول المراحل المختلفة لتكوين جيش مصر بشكل مبتكر و غير تقليدي...!!
يتناول الكاتب من خلال فصول الكتاب مراحل و خطوات  تأسيس الجيش المصري من خلال حياة مجند في الجيش بداية من مرحلة (طلبه) للتجنيد و تحويله من (فلاح) الى (مجند) في الجيش  ثم الى (محارب) ابهر العالم ببطولاته و فتوحاته في ذلك الوقت.
في بداية تأسيس الجيش لم يدر بخلد (محمد علي) اطلاقا ان يستعين بالمصريين في الجيش..فهم بالنسبة له مجرد (فلاحين) لا يصلحون للجندية  فإستعان في بداية الأمر بالألبان الا انه لم يستطع ان يمارس اساليب (الإنضباط) عليهم..و تمردوا عليه...!!
فقرر جلب جنود للجيش من (السودان)..و ارسل حملة الى السودان لهذا الغرض..و كان يسمي (البشر) الذين يتم جلبهم من السودان للتجنيد ب (العبيد)..!!
و لكن واجهته مشكلة كبرى الا وهي (هلاك) العبيد خلال رحلة جلبهم من السودان الى مصر..!!
و بالتالي وجد ان الفاقد في الجنود الذين يتم جلبهم من السودان كبير جدا يقدر بالألاف و هو ما جعله يرضخ في النهاية و يوافق على تجنيد المصريين الفلاحين في الجيش و هو ما كان يرفضه من قبل للأسباب السابق ذكرها اضافة الى خوفه من ان يؤثر ذلك على انتاجية الأراضي الزرااعية بعد ان يهجرها الفلاحون من اجل الخدمة في الجيش..!!
ليقرر الباشا تجنيد الفلاحين المصريين في الجيش.
يرصد الكاتب معارك الكر و الفر بين الفلاحين و بين لجان التجنيد و الحيل الرهيبة التي كان يقوم بها الفلاحون للهروب من التجنيد لدرجة تشويه انفسهم و اجسادهم من  اجل الاعفاء من التجنيد...!!
ايضا دور (شيوخ القرية) في تهريب الشباب من لجان التجنيد و تضليل  المسئولين عن تلك اللجان و الحملات بإعطائهم معلومات مضللة عن الشباب المستحق للتجنيد او حتى انكار وجود شباب للقرية صالح للجندية...!!
يسهب الكاتب في سرد الكثير من الوقائع التي تبين فرار الفلاحين من التجنيد و رد فعل السلطات للدرجة التي اصبح فيها عقاب (شيخ القرية) الذي يتعمد اخفاء شباب القرية او تقديم معلومات مضللة  لحملات التجنيد هي الإعدام...!!
ثم يتناول الكاتب طرق تحقيق الانضباط في الجيش و تطور القوانين الإنضباطية التي تنظم حياة الجنود المستجدين في معسكرات التجنيد ..
و كيف تطورت القوانين التي تحقق الانضباط الكامل  داخل معسكرات التجنيد و تحد من التسرب و الهروب و الفوضى  في بداية  حياة الجندية..
الكتاب حقيقة اكثر من رائع و يمكن اعتباره مرجعا او بحثا علميا اكثر منه كتاب...
المؤلف (خالد فهمي) بذل جهدا جبارا من اجل ان يخرج هذا الكتاب للنور....بحوث و قراءات و مصادر و مطالعة وثائق و سجلات قديمة...
بالإضافة الى ان كل معلومة او رسالة  من الوالي الى احد قادته او حتى من احد القادة للوالي او المخاطبات بين الباشا محمد علي و الباب العالي  او الى قناصل الدول الأجنبية كلها موثقة و برقم تسجيل في دار الوثائق القومية بالإضافة طبعا لملحق للصور و الوثائق النادرة..
الكتاب: كل رجال الباشا
المؤلف: خالد فهمي
عدد الصفحات: 456 صفحة
الناشر: دار الشروق
صدرت الطبعة الأولى عام 2001 و الثانية عام 2011

Monday, 5 December 2011

السيدة من تل أبيب



شراء رواية لروائي غير مصري دائما ما اعتبرها مغامرة.....
لا لشيء الا لكوني مغرما بالروايات التي تتناول الواقع و المجتمع المصري قديما او حديثا.
و لكن دائما ما تنجح هذه المغامرة و تثمر عن واحدة من امتع القراءات في حياتي...!!
حدث هذا من قبل مع رواية (ترمي بشرر) و ايضا رواية (بنات الرياض) و غيرها....و ها انا الأن بصدد الكتابة عن واحدة من أمتع الروايات التي قرأتها مؤخرا
رواية (السيدة من تل أبيب)

 للروائي الفلسطيني ربعي المدهون
لم يسبق لي ان قرأت عملا من قبل لهذا الكاتب و لكني اقر و اعترف انني بعد ان انتهيت من هذه الرواية الرائعة سأنقب عن اعمال هذا الكاتب السابقة و اترقب انتاجه الأدبي مستقبلا.
البطل الرئيسي للرواية هو (وليد دهمان) الصحفي الفلسطيني المقيم بلندن و المتزوج من انجليزية و الذي يقرر العودة الى وطنه (غزة) حيث تقيم والدته بعد غياب 38 عاما منذ حرب يونيو 1967.
يلتقي في الطائرة اثناء رحلة عودته الى تل ابيب من لندن ببطلة الرواية (دانا اهوفي) الممثلة الاسرائيلية الشابة التي تعيش قصة حب في الخفاء مع (نور الدين) ابن احد الزعماء العرب و المرشح لخلافة والده في الحكم.
في علاقة محكوم عليها بالإعدام بكل المقاييس.
تدور الرواية في مسارات متعددة...
مسار (وليد دهمان) و الذي يبدأ بتذكره لأخر ليلة قضاها في منزله مع والدته فبل 38 عاما قبل ان يغادر منزله و لا يعود اليه...يتذكر تفاصيل تلك الليلة...يتذكر اصدقاؤه القدامى و كيف كان اخر لقاء له بهم...!!
ايضا وصوله الى مطار بن جوريون بتل ابيب و اجتيازه للجوازات بكل سهولة و اريحية بسبب جواز سفره البريطاني...ثم تنقله الى معبر ايريز و الذي يفصل اسرائيل عن قطاع غزة و الذي يستلزم  ان يمر من خلاله اي فرد يريد العبور الى قطاع غزة من الجانب الاسرائيلي..!!
داخل معبر (ايريز) تدور الكثير من الأحداث التي تكشف عن معاناة الفلسطينيين الذين تضطرهم الظروف للإنتقال  بين اسرائيل و قطاع غزة اما للعمل او للعلاج.
ايضا في هذا الجزء من الرواية يركز الكاتب على طريقة تعامل الضباط الإسرائيليين داخل المعبر مع الفلسطينيين  حتى مع (وليد دهمان) نفسه الذي ظن ان جواز سفره البريطاني سيجعله (شخصية فوق العادة) تحميه من الاجراءات الاسرائيلية المعقدة و لكنه كان واهما...فهو في الأساس فلسطيني ..و طالما هو فلسطيني فهو مشكوك فيه (أمنيا) بالطبع...!!
يلتقي (وليد دهمان) مع والدته بعد غياب 38 عاما في لقاء غاية  التراجيديا و يلتقي بعائلته و التي لا يعرف الكثير منهم...فمن تركه صبيا صار رجلا و من تركه قبل 38 عاما شابا صار شيخا..بالإضافة الى الأجيل التي ولدت خلال هذه السنوات....!!
21 يوما قضاها بين غزة و خان يونس  التقى خلالها بعائلته و تعرف من خلالهم على احوال المجتمع الفلسطيني اليوم الواقع بين مطرقة الغارات الاسرائيلية الدائمة على المناطق الفلسطينية و بين سندان الخلافات بين الفصائل الفلسطينية و بعضها بالإضافة الى الميلشيات المسلحة المنتشرة بداخل القطاع..!!

حوارات (تعري) المجتمع الفلسطيني من الداخل ..تحلل و تناقش اوضاع الفلسطينيين و مآسيهم...
يسأل عن اصدقاءه القدامى فيجد احدهم قد اختفى و الأخر قد قتل برصاص احد القناصة و الثالث اصبح (متسولا) بعد ان اصبح لا يملك قوت يومه...!!

يعود وليد مرة اخرى الى لندن بعد ان يكتشف ان قطاع غزة الذي تركها قبل 38 عاما تختلف تماما عن غزة 2005 في كل شيء..في مبانيها ..في ناسها..!!
اما دانا اهوفا..ممثلة الاغراء الاسرائيلية فتعيش مأساة حبها لنور الدين و استحالة هذا الحب ...و ايضا علاقتها ب (ايهود) لاعب السلة الذي يعتمد على شهرتها ...!!
من خلال شخصية دانا اهوفا نستطيع ان نتوغل داخل المجتمع الاسرائيلي و الصراع بين اليسار و اليمين الاسرائيلي...خبايا المجتمع الاسرائيلي من الداخل..!!
و كيف يفكر الشباب الاسرائيلي...
ايضا من خلال علاقة سابقة لدانا مع حبيبها القديم ذلك الشاب الأوكراني الذي التقته في لندن و اقنعته بالهجرة الى اسرائيل  و بالفعل يوافق  و يهاجر الى اسرائيل و يلتحق بالخدمة العسكرية في جيش الدفاع  ليجد نفسه في مواجهة اطفال فلسطينيين ابرياء لا سلاح في ايديهم الا الحجارة في مواجهة الرشاشات و الأسلحة الثقيلة...!!
ليكفر بالمجتمع الاسرائيلي  و يقرر العودة الى لندن من حيث اتى..!!

الرواية مليئة بالتفاصيل عن المجتمعين الفلسطيني و الاسرائيلي من الداخل...عن المجندين الاسرائيليين من الشباب و تعاملهم مع الفلسطيننين من خلال المعابر...عن علاقة عاطفية تربط بين ممثلة اسرائيلية و سياسي عربي شاب و كيف ستكون نهاية هذه العلاقة....عن علاقة الفلسطينيين بالاسرائيليين ..و عن رأي الفلسطينيين في انفسهم و رؤيتهم لقادتهم و لفصائلهم المتناحرة...عن الغارات الاسرائيلية المتكررة على قطاع غزة و كيف يتعاطى الفلسطينيون مع هذه الغارات...عن المعابر التي تربط المناطق الفلسطينية بإسرائيل و كيف يخضع فتح و غلق هذه المعابر للمزاج الإسرائيلي ...عن كيف يعامل الجنود الإسرائيليون الفلسطينيون على المعابر بغض النظر عن سنهم و حاجتهم...
تفاصيل تفاصيل....و شخصيات عديدة...و حقائق مرعبة و مفاجئة...عدسة مكبرة للمجتمعين الاسرائيلي و الفلسطيني ترصد ما يدور داخل هذين المجتمعين من احداث...علاقات متشابكة و معقدة بين اسرائيليين و فلسطينيين...ظلان لجسد واحد...!!
الرواية رائعة...و تستحق الاقتناء و القراءة..
علمت ان الرواية كانت ضمن الروايات المرشحة  لجائزة البوكر للرواية العربية لعام 2010...و هي فعلا تستحق.

الكتاب: السيدة من تل ابيب (رواية)
المؤلف: ربعي المدهون
عدد الصفحات: 328 صفحة
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات و النشر
صدرت الطبعة الأولى عام 2010