Monday, 6 June 2011

في الوقت الضائع


كتابات توفيق الحكيم لها سحرها الخاص...!!
القراءة له لها متعة تختلف عن متعة القراءة  لأي كاتب أخر...!!
يمكن ان تعزي ذلك الى ما يسمى (السهل الممتنع)...الأسلوب البسيط السهل الذي يجذبك و يشدك و لكنه عميق المعنى و المغزى.
اعترف اني اكتشفت (توفيق الحكيم) متأخرا كثيرا...فلقد كان اهتمامي الثقافي منصبا بشكل اكبر على الأعمال الأدبية الحديثة
هذا الكتاب (في الوقت الضائع) كتبه توفيق الحكيم و هو على فراش المرض...و لذلك اطلق عليه هذا الإسم...!!
كتاب يمكن ان نطلق عليه انه (خلاصة سنوات من الفكر و التأمل).
يرى الكاتب الكبير ان هذا الكتاب و هذه الخواطر قد تدفقت عندما (توقف القدم و تحرك القلم)...!!
اي بعد ان  اقعده المرض و جعله عاجزا عن الحركة...فتحرك القلم ليبدع هذا الكتاب المليء بالأفكار و الخواطر.
الكتاب لا يمكن اعتباره وحدة واحدة فمواضيعه شتى و مختلفة تجمع بين الفكر و الفلسفة و التاريخ و الرأي و لا تخلو ابدا من روح الدعابة و الفكاهة التي تتميز بها كتابات الكاتب الكبير.
في احد فصول الكتاب يتخيل الكاتب حوارا بينه و بين (عزرائيل) و هو حوار يبدو ساخرا و لكنه فلسفيا من الطراز الأول...!!
جزء كبير من صفحات الكتاب تتناول قضية (العلمانية) و (الإسلام) ...و هل الإسلام دين و دنيا....؟!!
يطرح قضية في غاية الأهمية...هل كان الرسول عليه الصلاة و السلام بشرا يصيب و يخطىء.....ام انه كان منزها عن الخطأ..؟!!
بمعنى ان أراء الرسول عليه الصلاة و السلام في بعض الأمور الحياتية التي ليس فيها (وحي) الهي..تحتمل الرد و الجدال...؟!!
ام ان علينا ان ننفذ ما كان يفعله الرسول عليه الصلاة و السلام بحذافيره بدون اي جدال او مناقشة او تعديل...!!
و الحق ان الرجل رحمه الله قد  تناول هذا الموضوع من زوايا غاية في الأهمية مستندا بأدلة من القرأن و السنة و مواقف و افعال بعض الصحابة و الخلفاء الراشدين.
احد اجزاء الكتاب بعنوان (حديث مع النفس) و هو عبارة عن حوار تخيلي بين الكاتب و بين نفسه....و هو حوار رائع يحاسب فيه الكاتب نفسه و يتجادل معها حول مواقف الكاتب نفسه تجاه بعض القضايا مثل موقفه من المرأة و هو من اشتهر بأنه (عدو المرأة)....!!
و ايضا موقفه من الديمقراطية في حقبة ما قبل الثورة (ثورة يوليو 1952)  و كيف اثرت ارائه هذه بشكل سلبي عليه عندما غضب عليه عدد من نواب البرلمان مما ادى الى خصم ايام من  راتبه الشهري لا تزال في ملفه الوظيفه و هو يكتب هذه السطور في منتصف الثمانينيات ..!!
جزء من هذا الكتاب بعنوان (حديث الى قرائي)...و هو عبارة عن (تجميعة) لعدة مقالات كان قد كتبها (الحكيم)  في عدة مجلات خلال حقبة الثلاثينات و منها بعض الرسائل المتبادلة بينه و بين عميد الأدب العربي  الدكتور طه حسين حول عدد من القضايا غاية في القيمة و الأهمية.
اخر اجزاء الكتاب بعنوان (اوراق ضائعة) ..و هي مجموعة من المقالات  الرائعة و القيمة و منها  مقال كتبه توفيق الحكيم في العيد السبعين لجريدة الأهرام و قد تخيل انها تحتفل بالعيد المئوي فكتب تهنئة بالعيد المئوي متخيلا ماذا ستكون عليه الأهرام بعد 30 عاما...!!
الكتاب ممتع للغاية...يدعو للتأمل و التفكير بعمق....سهل ممتنع....اسلوب توفيق الحكيم في الكتابة يجعلك تندم  لأنك لم تقرأ له منذ زمن...بل و ستسارع لإقتناء معظم اعماله التي شرعت دار الشروق بالفعل في اعادة طباعتها من جديد.

الكتاب: في الوقت الضائع
المؤلف: توفيق الحكيم
الناشر: دار الشروق
عدد الصفحات: 392 صفحة
صدرت طبعة دار الشروق الأولى عام 2004