Monday, 27 December 2010

الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين


اذا كانت معلوماتك عن اليهود المصريين الذين عاشوا في مصر حتى نهاية الخمسينات و بداية ستينات القرن الماضي تنحصر فيما صورته الأقلام السينمائية المصرية القديمة عن (كوهين) البخيل او (سارة) الفتاة اللعوب او طريقة الكلام و نبرة الصوت التي اصبحت مميزة لشخصية اليهودي.., فعليك بقراءة هذه السيرة الذاتية
"الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين"
وقائع خروج أسرة يهودية من مصر
فبعد ان تقرأ هذا الكتاب ستكتشف كم ان شخصية اليهودي ليست بهذه الصورة الكوميدية التي صورتها لنا سينما (ناصر) او إعلام الثورة ..ستكتشف انهم أناس من لحم و دم مختلفي الطباع و الأمزجة و درجة التدين و ليسوا جميعا على هذه الصورة النمطية السينمائية الساخرة!!
هذا الكتاب هو سيرة ذاتية لأسرة يهودية عاشت و تربت في مصر و اضطرت لمغادرتها في اوائل الستينات مع اغلب يهود مصر و الشرق الأوسط الذين تم طردهم من هذه البلاد على إثر قيام إسرائيل و الصراعات السياسية و العسكرية التي نشأت بين إسرائيل و الدول العربية منذ نشأة هذه الدولة عام 1948.
هذه السيرة الذاتية ترويها (لوسيت لنيادو) أو (لولو) إسمها التي كانت تنادى به من قبل عائلتها عائلة (لنيادو)....رب هذه العائلة هو (ليون) هذا اليهودي الذي تنحدر اصوله الى (حلب) بسوريا و الذي هاجر هو و والدته من حلب ليستقر بهم المقام و هو صغير في القاهرة لينمو و ينشأ بمصر لتشهد القاهرة و شوارعها فترة شبابه و التي كان اهم ما يميزه خلال هذه الفترة اناقته الشديدة و جاذبيته و التي جعلت منه نجما من نجوم مجتمع السهر و الليل في قاهرة الثلاثينات و الأربعينات و الذي تزوج و هو في الأربعينات من عمره من (ايديث) هذه الفتاة اليهودية المتحفظة و التي كانت آنذاك في بداية العشرينات من عمرها لينجبا البنات و الأبناء و تستمر بهم الحياة لتشهد فترات ازدهار (غاية في الندرة) و فترات هبوط دائم خاصة مع انقلاب يوليو 1952 و تدهور احوال يهود الشرق و اضطرارهم للهجرة خارج بلادهم.
قيمة هذا الكتاب لا تنبع فقط من كونه سيرة ذاتية مسلية و شيقة لعائلة مكونة من 6 اشخاص بالإضافة الى اقاربهم و معارفهم و جيرانهم و احداث حياتهم بكل ما فيها من تقلبات و عواصف و لحظات مرح و سعادة و ساهات الم و معاناة.., انما تنبع من كونه اول كتاب يرصد هذه الأحداث و تلك الحقبة الهامة من تاريخ مصر بمنظور مختلف!!
دائما ما كان يملى علينا كون يهود مصر كانوا مجموعة من الخونة و العملاء الذين كل ولائهم كان موجها لإسرائيل و هو ما يدحضه هذه السيرة الذاتية التي توضح كم كانت هذه العائلة و بخاصة الوالد (ليون) عاشقة لمصر و الحياة فيها و رفضهم التام لمغادرتها و الهجرة الى اوروبا او امريكا لولا ان تدهورت احوالهم المادية و الإجتماعية بعد حرب النظام الناصري عليهم.!!
في هذه السيرة الذاتية تحكي الكاتبة وقائع خروج اسرتهم من مصر و كيف كان لزاما على اي يهودي مصري قرر الهجرة ان يخرج و في جيبه ما لا يزيد عن 200 دولار فقط لا غير فكان لزاما على جميع المغادرين (ممن فشلوا في تهريب اموالهم خارج مصر) ان يتخلصوا من كل ممتلكاتهم و اموالهم و مجوهراتهم قبل المغادرة و لم يكن مسموحا الا بحمل اي كمية من الملابس...مما استدعى ان تحول اغلب  الأسر اموالها الى ملابس لكي تستطيع الخروج بها من مصر بدون حدوث مشاكل مع النظام الحاكم..!!
قيمة هذا الكتاب ايضا انه يبين الفرق بين قاهرة الأربعينات و الخمسينات و الستينات و كيف تأثرت الحياة الإجتماعية و المدنية داخل مصر بثورة 1952 و التي كان تأثيرها الإجتماعي على المجتمع المصري لا يقل في قوته إطلاقا عن تأثيرها السياسي..!!
و كيف تحول المجتمع المصري من مجتمع (كوزموبوليتاني) يتسع لجميع الجنسيات و الثقافات و الديانات الى مجتمع (منغلق) على نفسه لا يقبل الإختلاف و لا يتسع لوجود الأخر..!!
قيمة هذا الكتاب ايضا انه يطرح من خلال (تجربة شخصية) للمؤلفة الفرق بين المجتمعات الشرقية كمجتمع قاهرة الأربعينات و الخمسينات في العلاقات الإجتماعية و التعامل الراقي المتحضر للبشر و بين مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية التي هاجرت اسرة (لنيادو) اليها و القائم على المنفعة فقط و المصلحة بصرف النظر عن العلاقات الإجتماعية و العاطفة و مراعاة ظروف الناس.
و انت تقرأ صفحات هذا الكتاب فكأنك تعود بالزمن الى مجتمع قاهرة الزمن الجميل حيث شقة الأسرة بشارع الملكة نازلي (رمسيس حاليا) و تحس ان الكاتبة تتحدث عن مدينة اخرى غير قاهرة الألفية الثالثة حيث الزحام و الضوضاء و التلوث و الحياة المعاصرة الحالية تماما من اي مظاهر لفخامة و ابهة و رقي عصر الأربعينات و بداية الخمسينات من القرن الماضي!!
تنتهي فصول هذا الكتاب بعودة الكاتبة في بداية الألفية الجديدة الى القاهرة بعد غياب اربعة عقود عنها منذ ان غادرتها و اسرتها في بداية ستينات القرن الماضي لتقرر التجول في شوارع (وسط البلد) لتصدم بوسط بلد جديد لا تعرفه اطلاقا..لتكتشف كيف تحولت محلات وسط البلد من متاجر راقية لبيع الملبوسات و الأنسجة القيمة و الراقية الجودة الى محلات لبيع المنتجات الرديئة الصنع و الرخيصة الثمن, و كيف تحولت مباني وسط البلد من حالة الفخامة و الأبهة لتتحول الى مبان متهالكة آيلة للسقوط..!!
و كيف تحول (جروبي) من ارقى متجر للحلويات في الشرق الى اطلال تبيع مخبوزات رديئة الصنع و هو من كان يشار اليه بالبنان بإعتباره (قلعة) لأرقى و اشهى الحلويات الى هذا الوضع المزري..!!
لينتهي الكتاب بعودتها في زيارة الى شقتهم القديمة بشارع الملكة نازلي سابقا (رمسيس حاليا) لتلتقي بسكانها الحاليين و تتفقد الشقة حجرة بعد اخرى لتجتر ذكريات عائلتها في هذه الشقة و لتحلم لو كان والدها معها في هذه الزيارة ليتحقق حلم حياته بالعودة يوما ما الى مصر و قد اجبر على تركها قسرا يوما ما.
الكتاب اكثر من ممتع...تم ترجمته بلغة سلسة و جميلة...اعتبره من اهم و امتع كتب السيرة الذاتية التي قرأتها في حياتي.

الكتاب: الرجل ذو البدلة البيضاء الشركسكين
الكاتبة: لوسيت لنيادو
عدد الصفحات: 375 صفحة
دار النشر: دار الطناني للنشر
صدرت الطبعة الأولى للنسخة العربية من الكتاب في 2010

8 comments:

  1. أن شاء الله
    انزل القاهرة و هشتريها

    ثقة ف ذوقك

    و كمان انا بحب اساسا اقرا عن الفترة دى

    شكراً

    كل سنة و انت طيب و سنة سعيدة ان شاء الله

    ReplyDelete
  2. هايلة جدا الكتب اللى بتنشروا عنها انا بحب القراءة .. لكن تمنها غالي زيادة عن اللزوم رواية ترمي بشرر سألت عليها التقيتها بـ75 جنيه

    ReplyDelete
  3. الرواية عجبتنى جداا جدااا وكانت فى خطة شراء الكتب للشهر القادم بس انت سبقتنى :)

    نادر جدا لما بنلاقى حد بيقول تجربته الشخصية مسرودة بنظام مختلف تماما عن النظام الاعلامى الرسمى للدولة اللى طبعا بيكون مغلوط وبيخدم مصالح رئاسة الدولة فقط مش مصالح الشعب ودى علامة اكس تنبيه للى بيحصل دلوقتى بين مسلمين وغير مسلمين فى نفس الدولة وكاننا شعبين مختلفين عايشين فى دولة واحدة !!!

    تحياتى على السرد الممتع للرواية :)

    ReplyDelete
  4. سارسل اشتريه
    شكرا للمعلومات

    ReplyDelete
  5. عندما قرأت الكتاب تأكدت صوره اليهود فى ذهنى
    فابستثناء الأب (الذى كانيحن أساسا لأيام عزه) فكل الأسره اليهوديه كانت تكن الولاءؤ لاسرائيل بل ان الرجل نفسه حتى يوم وفاته كان يرسل تبرعات دوريه لملاجئ باسرائيل و ليس لمصر التى يدعى البكاء عليها ....كما لم اجد اى ذكر لمضايقات لحكم ناصر عليهم فقط خوف لم يثبته أى فعل حقيقى بل ان السبب الرئيسى لخروجهم من مصر تورط الأخت الكبرى فى قضيه دعاره و عدم قدره باقى الأسره (ّذو الطباع الشرقيه ) مواجهه المجتمع و لم يمنعهم من الهجره لاسرائيل الا خوفهم من التحاق الأبناء بالجيش...خافوا عليهم و ليس شفقه من مواجهه مصر وطنهم الأول
    ...هذا بنص كلام المؤلفه و ليس من عندى

    الحق ان الكتاب رسخ فى ذهنى صوره اليهودى الذى كان يعيش مخالطا الأجانب له طباع شرقيه و لكن ولائه للمال و لعشيرته اليهوديه لا يكره اسرائيل ان لم نقل يؤازرها ...لا تهمه البلد التى يحيا فيها من قريب أو بعيد
    اختصارا صهيونى
    لعل ليس كل اليهود المصريون هكذا و لكن هكذا كان الرجل ذو البدله الشركسكين
    لا أظن كلمه الحب تكفى ان لم تعززها الافعال

    ReplyDelete
  6. بكيت ستة مرات و أنا أطالع الصفحات الأخيرة من الكتاب

    حسين ملاسي

    ReplyDelete
  7. سال حبرك هنا وروانا بقطرا كاد الدمع
    يستل منا امام تلك الكلمات العظيمه
    فكم فخورين بك


    كلمات حب

    http://zawag.alnaddy.com/blog/article/266180

    ReplyDelete
  8. إلى mohra
    ليون كان يرسل المال إلى دور اليتامى التي يديرها رجال دين وكما ذكرت الكاتبة كان ذلك من أجل الدعاء وترتيل المزامير من أجل شفاء إبنته وحماية أسرته و للترحم عليه عندما يموت و أستغرب كيف أنك لم تقرأ ذلك و هل كان في مصر من يقوم بذلك ليرسل تبرعاته زد على ذلك من يريد التبرع كصهيوني يتىرع للجيش الإسرائيىلي و ليس للأيتام كواجب ديني, كم اكره الكذب و كم اكره الاستجحاش الذي مارسه و يمارسه القومجيين الفاشلين الذين لم يخلفو سوى انظمة قمعية

    ReplyDelete