Wednesday, 8 December 2010

بروكلين هايتس


رواية من نوع أخر....نوع من الروايات (المركبة) او (النفسية) التي تغوص في اعماق النفس البشرية و تخرج مكنوناتها و تعقيداتها الرهيبة.
رواية تتناول جانب من حياة أناس نادرا ما يتم تناول حياتهم في الأعمال الأدبية رغم ثراء حياتهم بشكل كبير و التي تغري اي اديب ان يتناولها الا انها قليلة هي الروايات التي تتناول حياة (المهاجرين).
رواية (بروكلين هايتس) رواية بطلتها (هند) السيدة المصرية التي تهاجر هي و طفلها الى الولايات المتحدة الأمريكية و بالتحديد الى مدينة نيويورك و تحديدا اكثر لحي (بروكلين) الشهير.
حي بروكلين في نيويورك يشتهر بإعتباره حي (المهاجرين) و هو اكثر احياء نيويورك اكتظاظا بالسكان و يتميز بتعدد اعراق سكانه فهو يضم العرب و الأسيويين و الأسبان و اللاتينيين...الخ
تهاجر هند و طفلها الى بروكلين هربا من فشل حياتها الشخصية بعد اختفاء زوجها فجأة و تركه لها هي و طفلها بدون سابق انذار بعد ان ذاقت الأمرين من حياتها معه لخيانته المتكررة لها..!!
تهرب و تحقق حلمها بالسفر الى (البلاد البعيدة) و هو الحلم الذي طالما راودها منذ طفولتها بقريتها (تلال فرعون) و التي تلازمها ذكرياتها هناك طوال احداث الرواية..!!
تهرب هند و طفلها الى (بروكلين) حيث العالم بشكل مصغر تلتقي هناك و تصادف كل الأعراق و الأجناس و الديانات تعمل كمدرسة للغة العربية و ايضا كنادلة في محل للدونتس تبحث دائما عن نفسها...تتمنى لو كانت حققت احلامها القديمة و لم تصبح بهذه الشخصية بهذا الشكل كإمرأة سمراء ذات (مؤخرة) بدينة لا تغري اي شخص بمرافقتها و التعرف عليها...!!
عبر صفحات الرواية تمزج المؤلفة (ميرال الطحاوي) بين حياة (هند) في بروكلين و بين ذكرياتها في (تلال فرعون)...ذكرياتها عن بيتهم هناك...عن والدها ذلك الرجل الحاصل على شهادة المحاماة و الذي لا يعمل بها لكرهه لساحات المحاكم و النيابات...ذلك الأب الذي لا يعشق في حياته قدر عشقه لجلسة (المصطبة) مع اصدقائه في (المضيفة) و كيف تبدلت الأحوال به مع فتح دول الخليج ذراعها لراغبي العمل ليسافر جميع اصدقائه الى الخارج للعمل الا هو الذي يبقى رافضا فكرة الغربة و البعد عن اولاده الذين يعتبرهم نعمة لا يجب ان يسافر و يتركها!!
عن امها بنت المدارس التي تتزوج والدها و تنتقل للعيش في القرية ليصبح همها في الحياة هو انجاب الأطفال الواحد تلو الأخر و التي تعاني دائما من قلة النقود مع تبلد الوالد و عدم رغبته في العمل...تتذكر (هند) كيف كانت تكافح من اجل (تضبيط) الملابس لتجعلها مناسبة للأطفال كل تلو الأخر..!!
تتذكر ايضا صديقاتها في المدرسة (نهى) و (حنان) و ايضا (زوبة) و مدرسيها في المدرسة..مدرس اللغة العربية و الذي سافر للخليج ليعود (واعظا) و ايضا مدرس الرسم و الذي اختفى فجأة من القرية مع (زوبة) ليعودا مرة أخرى اليها زوجين..!!
تتذكر (جدتها) القبطية او (الضيفة) كما كانوا يلقبونها في القرية و كيف انها ظلت تلازم (المضيفة) طوال حياتها في الدار حتى توفت...تتذكر طقوسها اليومية و عاداتها..!!
ذكريات كثيرة عن حياتها ووالدها ووالدتها و اخواتها و صديقاتها في المدرسة و اهلهم..تستطيع ان ترصد من خلال هذه الذكريات تطور الحياة داخل القرية المصرية...سلوكيات و عادات اهل الريف..نظرتهم للفتاة و كيف تتغير نظرة الأهل للفتاة بمجرد (بلوغها) سن الحيض و كيف يتكون فجأة سد عالي من المحظورات و الممنوعات حتى يتم (التخلص منها) بالزواج..!!
تتذكر (هند )كيف كانت طوال حياتها (متمردة)..كيف كانت سببا لكل المتاعب لأمها...تتذكر وفاة والدها عندما هبت رياح (الحنين) على القرية ليقول لها انها رياح (الموت) فهو يعرفها لتتحقق نبؤته و يواري الثرى.
تتذكر امها و التي عاشت بعد والدها تجتر الأحزان لتلحق به بعد فترة بعد اصابتها بسرطان (الثدي) و الذي تتوقع هند ان يكون وفاتها بسبب نفس المرض ايضا..!!
ذكريات و ذكريات تعكس الكثير عن حالة المرأة او بالأحرى (الإناث) داخل القرية المصرية....عن الحراك الذي غير من القرية المصرية بعد ظهور ثورة النفط الخليجية في سبعينات القرن الماضي..عن حال الفتاة في القرية المصرية و نظرة مجتمعها لها.
مزج رائع تبتكره المؤلفة (ميرال الطحاوي) بين حياة هند المعاصرة في بروكلين و بين ذكرياتها في (تلال فرعون)..مزج بين شخصيات قديمة و اخرى معاصرة.
كل فصل من فصول هذه الرواية يبدأ بمعلم من معالم بروكلين و شخصية تلتقيها (هند) هناك ثم تعرج الى الماضي لتتذكر حياتها القديمة في قريتها المصرية..!!
تقابل هند خلال حياتها في بروكلين العديد من الشخصيات الغريبة الأطوار و (المركبة)...(فاطيما) الصومالية الحسناء شبيهة ناعومي كامبل..و التي تحلم بمستقبل باهر لتعيد اكتشاف نفسها!!
(تشارلي) هذا الجار الستيني راقص التانجو..الذي يصادقها و يحاول ان يعلمها رقص التانجو تمهيدا لأن تصبح عشيقته و عندما ترفض يهينها اهانة بالغة و يجرح انوثتها بشكل فج..!!
(نزاهات) تلك الطبيبة البوسنية اللاجئة و التي تعمل كطبيبة و كممرضة و بائعة و خياطة...تمتهن الكثير من المهن لكي تتمكن من توفير حياة ملائمة لها في بروكلين!!
(جميل الخليلي) هذا الفبسطيني و صديقه الأرمني الذي جاءا منذ زمن الى بروكلين في تذكرتي ذهاب بلا عودة و حديث مليء بالشجن عن ذكرياته في فلسطين ابان قرار التقسيم و حياته القصيرة بمصر ثم الهجرة (بلا عودة) الى بروكلين..!!
اشخاص كثيرة كثيرة هنا و هناك...في بروكلين و في القرية (تلال فرعون) كل شخصية تصلح رواية بمفردها...كل شخصية ترى فيها (هند) شيء ما يخص ماضيها او ربما تستشرف (مستقبلها) من خلال ما آلت اليه مصائر هذه الشخصيات...لتنتهي الرواية بشخصية (ليلى السعيد) او (مدام ليليت) و التي تهجر زوجها و ابنها في الماضي هربا من حياتها المملة و الرتيبة لتهاجر الى بروكلين ليكبر ابنها بعيد عنها ليلتقيا بعد سنوات طويلة و بعدما بدأ المرض يزحف اليها لتنعدم ذاكرتها تماما و يصيبها (الزهايمر) لتموت في النهاية...!
تحس (هند) احساسا غامضا انها هي نفسها (ليليت) و ان هذا هو مصيرها المحتوم ليسيطر عليها فزع و خوف هائل من المستقبل.
رواية (نفسية) من الطراز الأول....نوع خاص من الروايات التي ربما لا يستسيغها الكثيرون لما تحتويه من بؤس و تعاسة تكابدها بطلتها و من تلتقيهم من شخصيات الرواية...الا انه نوع (قيم) من الأدب يستحق التقدير و له عشاقه من محبي الأدب القيم و الحقيقي.

الكتاب: بروكلين هايتس - رواية
المؤلفة: ميرال الطحاوي
دار النشر: دار ميريت
عدد الصفحات: 234 صفحة
صدرت الطبعة الأولى عام 2010
* الرواية مرشحة لنيل جائزة البوكر للرواية العربية

2 comments:

  1. قرأت للمؤلفة رواية نقر الظباء قبل فترة لكني لم استسغ أسلوبها في تلك الرواية ولكني عندما علمت أن بروكلين هايتس مرشحة للبوكر قررت أن أقرأها والآن بعد مقالك الجميل أشتقت أكثر لقراءتها خاصة وأنا أعشق هذا النوع من الروايات الذي يغوص في أعماق النفس البشرية ويحللها
    تحياتي

    ReplyDelete