Monday, 29 November 2010

قرية ظالمة

قرأت مؤخرا رواية عظيمة لأديب عظيم وكبير لا أظن أن كثيرا من قراء الروايات وفن الأدب يعلمون عنه شيئا خصوصا فى دولة لا تمجد الا الأرجل التى ترقص على النغمات أو تراقص الكرات فى الملاعب . الرواية اسمها هكذا ( قـريـة ظـالمـة ) لمؤلفها الطبيب والأديب والمفكر الراحل الدكتور محمد كامل حسين

الدكتور محمد كامل حسين كما نشر فى صدر الرواية الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى طبعتها الثانية الصادرة عام 2006 ، هو أديب مصرى وطبيب وعالم ومفكر وفيلسوف جمع بين دقة العلماء وتميز الأدباء وهو أول مدير لجامعة ( ابراهيم باشا - جامعة عين شمس حاليا ) وعضو مجمع اللغة العربية عام 1952 ميلادية وعضو المجلس الأعلى للجامعات وكذلك مجلس جامعة الأزهر الشريف .

من مؤلفاته الفكرية ( الوادى المقدس ) ومن مؤلفاته الإبداعية قصة ( قوم لا يتطهرون ) وأيضا الراوية المتحدث عنها هنا .. ( قرية ظالمة ) التى نال بسببها جائزة الدولة التقديرية فى فرع الأدب لعام 1957 ميلادية وهو الوحيد الذى جمع بين جوائز الدولة فى العلوم والأدب .

قرية ظالمة تعد من علامات السرد فى الأدب العربى فى النصف الثانى من القرن العشرين طبعت لأول مرة عام 1954 ميلادية وتناولتها وقتها أقلام كبار الكتّاب فى مصر فكتب عنها عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين والدكتورة سهير القلماوى والأديب محمد عبدالحليم عبدالله وآخرون ، كما تناولها نقاد عالميون وترجمت الى إحدى عشرة لغة عالمية وظلت نموذجا دالا للإبداع والفكر العربى

القرية الظالمة التى يقصدها الدكتور كامل هى ( أورشليم ) المكان الذى تدور فيه أحداث الرواية بينما زمنها فلا يتعدى اليوم الواحد وهو يوم الجمعة المصيرى فى تاريخ البشرية ذلك اليوم الذى صلب فيه السيد المسيح عليه السلام فيصف الدكتور كامل حال كل من الرومان وبنى إسرائيل والحواريين الذين قرروا جميعا صلب المسيح .. بنو إسرائيل بخوفهم المبالغ فى الخوف على ديانتهم اليهودية وادعائهم بأنه ساحر وكاذب ومبتدع يريد هدم الديانة المسيحية ، الحواريين الذين آثروا الاستسلام لأمر الصلب وعدم المقاتلة دفاعا عن نبيهم بحجة دينهم الذى يقضى بالمحبة المطلقة ورغبتهم فى نشر الدين الجديد على أيديهم بعد نبيهم ، والرومان الذين يقضون لأجل بنى إسرائيل ما يضمن لهم الحفاظ على امبراطورية الرومان فى أورشليم وغيرها .

وتنتهى الرواية بانتهاء اليوم الذى تظلم فيه الدنيا لمدة ثلاث ساعات عند رفع السيد المسيح عليه السلام الى السماءليصير يوما شهيرا غيّر وجه البشرية ومنحها دينا جديدا . والرواية تتميز برصانة الأسلوب وقوة الألفاظ والمعانى المستخدمة خاصة فى الحوارات القائمة بين أبطال الرواية وكأنها مجادلة بين فلاسفة ومفكرين كبار جدا تجعلك وانت تقرأ تشعر بنشوة التفكير والمنطق والفلسفة الواضحة فى الحوارات والأحداث كانك تقرأ لأول مرة فى حياتك شيئا مكتوبا باللغة العربية !

ان رواية ( قرية ظالمة ) هى أفضل عمل روائى قرأته حتى الآن من حيث قوة الأسلوب والمعانى والسرد .. تحية للأديب الراحل

Wednesday, 24 November 2010

THINKING CREATIVELY


كتاب جديد و لكنه بالإنجليزية هذه المرة..!!
للكتب الأجنبية متعة خاصة...متعة في قراءتها بلغتها الأصلية و ليست كمترجمة...الترجمة تفقد الكتاب الكثير من متعته...قد تفلح الترجمة في ان تنقل اليك معلومات صماء..كمعلومات طبية او فيزيائية انما لا تصلح اطلاقا ان تنقل اليك احساس الكاتب و تحس بصدق مشاعره و المعنى الحقيقي الذي اراد ان يوصله فعليا بكتابته لتلك الجملة بهذا الشكل!!
الكتاب هو THINKING CREATIVELY و هو احد الكتب التي تصدر ضمن سلسلة كتب بعنوان ESSENTIAL MANAGERS و هي سلسلة كتب الهدف الرئيسي منها هو تطوير الأداء العقلي و الوظيفي لقراء هذه السلسلة في مجال اعمالهم و ايضا من خلال حياتهم العادية من خلال عدة كتب مثل THINKING CREATIVELY (التفكير الإبتكاري) و DEALING WITH PEOPLE (التعامل مع الناس) و MARKETING EFFECTIVELY (التسويق الفعال).....الخ
هذه السلسلة بشكل عام تتميز ببساطتها الشديدة و ايضا طباعتها الأنيقة بالإضافة الى صغر حجم الكتاب...فكل الكتب التي تندرج تحت هذه السلسلة تتميز بشكل واحد تقريبا للغلاف الخارجي مع اختلاف فقط عنوان الكتاب بالإضافة الى الإهتمام ببساطة الإسلوب و توضيح الفكرة بالرسوم و الصور و الأشكال المختلفة سواء اكانت بيانية او توضيحية بالإضافة الى تلخيص المعلومات الهامة و الضرورية حول موضوع ما على هيئة نقاط محددة لسهولة حصرها.
 هذا الكتاب THINKING CREATIVELY يتناول قضية (التفكير الإبداعي) او (اللانمطي) و الخروج بالقكر من القوالب الجامدة لحل المشكلات المختلفة سواء الحياتية او العملية او بمعنى اخر (التفكير خارج الصندوق)...(THINK OUTSIDE THE BOX)
من خلال فصول الكتاب المختلفة يطرح الكاتب الكثير من القضايا التي تدور حول محور الكتاب من خلال تعريف التفكير الإبداعي و الفرق بين التفكير النمطي او التقليدي و اللانمطي او الإبتكاري و كيف ان هناك الكثير من المشكلات التي لا تتطلب اي نوع من الإبداع في التفكير بل حلها لا يتم الا بالطرق النمطية التقليدية كأن (يحترق) مصباح كهربائي مثلا...فلا يوجد الا حل واحد هو تغييره و هو حل لا يحتاج الى اي ابتكار او ابداع فكري من اي نوع..بينما هناك المئات من القضايا اليومية التي تحدث في العمل او الحياة  و التي تتطلب لإيجاد حلول سريعة لها و غير تقليدية التفكير بشكل ابداعي.
في احد فصول الكتاب يقسم الكاتب البشر الى قسمين رئيسيين حسب طريقة تفكيرهم:
البشر ذو التفكير المنطقي ( LEFT BRAIN DOMINANCE) : و هم الذين توجد مراكز التفكير لديهم في الجانب الأيسر من المخ..يكونون اكثر ميولا للتحليل و التفكير بمنطق و عقلانية.
البشر ذوو التفكير الإبتكاري (RIGHT BRAIN DOMINANCE) : و هم هؤلاء الناس الذي توجد مراكز التحكم و التفكير لديهم في الجانب الأيمن من المخ..و هم بشر يكونون اكثر ميولا للتفكير الإبداعي او الإبتكاري.
و يطرح المؤلف مجموعة اسئلة تقييمية للقارىء الغرض منها ان يعرف القارىء اي نوع من النوعين هو....هل طريقة تفكيره تميل للجانب التحليلي او المنطقي ام للجانب الإبتكاري...؟!!
بداخل الكتاب يتناول الكاتب اهمية التفكير الإبداعي او التفكير (خارج الصندوق) و كيف ان التفكير الغير تقليدي نجح في حل الكثير من المعضلات و المشكلات العملية التي عجزت جميع الحلول التقليدية ان تحلها..يدعم نظريته بالكثير من الأمثلة او ال CASE STUDIES الواقعية و التي نجحت الحلول الغير تقليدية في حلها و معظمها مشكلات عملية.
و يطرح المؤلف من خلال فصول الكتاب الطريقة المثلى للتفكير الإبداعي و كيفية الإستفادة من الإبداعات الكامنة داخل كل شخص في فريق العمل للوصول الى الحلول المثلى لمشكلة ما...و الطريقة التي يجب ان يتعامل بها المدير مع جميع الموظفين لإستخراج ما لديهم من طاقات ابداعية بدلا من اجهاض اية فكرة في مهدها.
من ضمن فصول الكتاب فصل بعنوان WORKING WITH OTHERS و في هذا الفصل يتناول الكاتب طرق التعامل مع الأفراد المختلفين داخل فريق العمل الواحد و ضرورة احترام كل افراد فريق العمل و ضرورة عدم الإستهانة بأية فكرة حتى و ان كانت تبدو في الظاهر انها تافهة الا انها من الجائز ان تكون فكرة تافهة في ظاهرها عبقرية في مكنونها.
يتناول الكاتب ايضا بين ثنايا الكتاب اهمية (العصف الذهني) او (BRAIN STORMING) في التفكير الإبتكاري و كيفية التفكير الجماعي للوصول الى حلول ابداعية لأعتى المشكلات التي قد تبدو عصية على الحل.
و لل (BRAIN STORMING) شروط لكي تتحقق بكفاءة عالية تتضمن الكثير من التفاصيل التي قد تبدو تافهة الا انها غاية في الأهمية لكي يتحقق الهدف من مثل هذه الإجتماعات..تفاصيل تتضمن طريقة الجلوس و طريقة الحديث و اسلوب تجميع الأفكار التي يتم طرحها خلال الإجتماع في نقاط محددة تشمل كل نقطة نوع معين من الأفكار للوصول في النهاية الى الفكرة الأم التي تم التوصل اليها خلال هذه الجلسة.
الكتاب مليء بالمعلومات و التقنيات الرائعة التي يمكن استخدامها في الحياة العملية او الشخصية لتحقيق اقصى استفادة ممكنة...تقنيات رائعة للتفكير في حلول لأصعب المشكلات خاصة اذا كنت تعمل ضمن منظومة او فريق عمل و كنت قائد هذا الفريق فتطبيق مثل هذه التقنيات في التفكير الإبداعي سيعود بكل نفع على افراد الفريق و بالتالي على منظومة العمل ككل.
حقا كما ان للكتاب العربي بلغته العربية البليغة رونقه و سحره فإن للكتاب الأجنبي بمعلوماته القيمة و طباعته الأنيقة و طريقة السرد و التي تجعلك كقارىء تحس ان مثل هذه المعلومات آتية من عالم أخر لا يمت لنا بصلة!!
سلسلة ESSENTIAL MANAGERS سلسلة رائعة بحق اعتقد انه لا غنى عنها لكل من يريد الإرتقاء في السلم الوظيفي و الوصول لأعلى المراتب عن كفاءة حقيقية و علم و معرفة.

الكتاب: THINKING CREATIVELY
المؤلف: GEORGE P. BOULDEN
دار النشر: DK ADULT
عدد الصفحات: 72 صفحة
صدرت الطبعة الأولى في سبتمبر 2002

Monday, 8 November 2010

تراب الماس - رؤية نقدية


أحمد مراد تاني......و أه من الموهبة ياني!!!
شعور ممتع ينتابني كلما اكتشفت مجددا ان مصر (لسة ولادة)....رائع ان تجد موهبة من جيلك تثبت ان مصر لم تعقم و أن الموهبة ليست حكرا على جيل أبي أو جدي و إنما مصر ستظل مصنعا للموهبة في كل وقت و كل عصر.
في روايته الثانية (تراب الماس) يثبت أحمد مراد أن نجاح رائعته الأولى (فيرتيجو) لم يكن وليد الصدفة و إنما كان نجاحا اصيلا له جذور و أسباب دعمتها تحفته و جوهرته الثانية (تراب الماس).
كانت (فيرتيجو) سببا رئيسيا في عودتي مرة أخرى للقراءة النهمة بعد فترة موات ليست بالقصيرة اقتصرت فيها قراءاتي على الصحف اليومية و المجلات إلا ان رواية ك (فيرتيجو) اعادتني مرة أخرى لقراءة الأدب و فتحت الباب لأكون زبونا مستديما لمكتبات الشروق و ديوان.
(تراب الماس) جددت الثقة مرة أخرى في القراءات الأدبية كرواية اعتقد انها ستصير علامة مضيئة و مهمة في تاريخ الأدب الحديث.
(تراب الماس) رواية يمكن تصنيفها كرواية بوليسية تشويقية سياسية...نوع من الروايات التي لا يمكن ان تنحيها جانبا قبل ان تنتهي من قراءتها حتى أخر حرف.
جربت أكثر من مرة أن اتوقف قليلا عن القراءة بعدما كاد النوم أن يفتك بعينيي إلا ان جرعة التشويق في الرواية غلبت سلطان النوم فلم أترك الرواية الا جثة هامدة بعدما شعرت بجميع المشاعر الإنسانية أثناء قراءتها من حزن لإبتسام لرغبة في البكاء لحالة من الضحك لترقب لتشوق لإلتهام الصفحات رغبة في كشف غموض القادم للذهول!!
كوكتيل من المشاعر و الأحاسيس المتناقضة التي يشعر بها قارىء هذه الرواية الرائعة.....تتقلب مشاعرك و أحاسيسك و انفعالاتك و انت تقلب الصفحات بين يديك تلتهم الأحداث التهاما..!!!
رواية تراب الماس تحمل بين طيات صفحاتها ال 393 أحداث و حوارات بين ابطالها غارقة في الواقعية..كلمات ليست غريبة عليك...حوار سهل و بسيط تسمعه و تقوله يوميا ....كلمات غارقة في الواقعية بعيدا عن اللغة (المكلكعة) التي يلجأ الكثير من الروائيين للكتابة بها رغبة في زيادة أعمالهم ثقلا -من وجهة نظرهم طبعا.
الا ان أحمد مراد استخدم لغة الحديث اليومي...هذا الإستخدام للهجة العامية جعلت القارىء يعيش فعليا مع الرواية و احداثها و ابطالها...فهم يتحدثون بلغة ليست غريبة على الأذن و بالتالي فهي قريبة من القلب.
بطل الرواية (طه) صيدلي و يعمل ايضا مندوب للدعاية الطبية بإحدى شركات الأدوية (و هذا ايضا سبب شخصي يدعوني للإعجاب بالرواية) يعيش مع والده القعيد (حسين الزهار) الذي يعتبر هو اساس الرواية و محورها..!!
تحدث الكثير من جرائم القتل الغامضة التي تقلب حياة (طه) رأسا على عقب و تحولها من حياة رتيبة مملة غارقة في التقليدية الى حياة صاخبة مليئة بالمفاجأت و ايضا بالدماء!!
لا اريد الإستطراد في الحديث عن احداث الرواية و تفاصيلها رغبة مني في عدم إفساد عنصر التشويق و الإثارة الرهيب التي تتميز به هذه الرواية الرائعة و الذي يجعلها بمثابة (وجبة) لذيذة لن تستطيع ان تترك المائدة الا بعد ان تنتهي من أخر (لقمة) منها!!
الرواية تطرح من وجهة نظري فكرة فلسفية حول فلسفة (تغيير الواقع) بمعنى هل لو مجتمعك فاسدا و لا أمل في الإصلاح فهل من الجائز ان تقوم انت بالإصلاح حتى لو كان الإصلاح ملوثا بالدم...؟؟
بمعنى هل من الجائز ان نرتكب غلطة صغيرة من اجل ان نصلح غلطات اكبر..؟!!
الرواية تطرح اكثر من بعد...عن الفساد الذي استشرى و تغلغل في المجتمع لدرجة ان يتبوأ مقاعد البرلمان اشخاص على سلوكياتهم و تصرفاتهم و ايضا مصادر ثرواتهم الف خط أحمر.
بعدا مهما تطرحه الرواية عن الفساد داخل جهاز الشرطة..و كيف ان حاميها (قد) يكون حراميها في أحيان كثيرة!!
ايضا عن بعض شباب وسط البلد من مدعي (الثورية) و (الوطنية) و التي تظهر الأحداث كيف ان بعضهم لا يمت لهذه الشعارات بصلة من قريب او من بعيد!!
بعدا أخر (وجد هوى في نفسي) و هو ما تتضمنه الرواية من الأثار السلبية التي خلفتها ثورة 1952 في جميع قطاعات المجتمع و خاصة أجهزة الحكم المختلفة التي اصبحت مليئة بالمنافقين و اصحاب الثروات المشبوهة و التي خلعت (ملك) ليحل محله (مليون ملك)!!
لا يفوتني ان اشيد بشدة بغلاف الكتاب و تصميمه الرائع لمصممه المبدع (أحمد مراد)...(واخد الرواية من بابها)...فهو بالتأكيد يؤمن جيدا بأن الكتاب (يبان من عنوانه) و هو ماكان حريصا عليه من خلال (عنوان الرواية) و ايضا غلاف الكتاب.
سبق ان كتب صديقي (محمد مشهور) عن هذه الرواية الممتعة فور صدورها و أشاد بها كثيرا هنا في المدونة إلا ان ظروف السفر للخارج منعتني من قراءتها او بالأحرى الإستمتاع بها إلا هذه الأيام فكان هذا البوست الذي عبرت فيه عن رأيي (المتواضع) في رواية رائعة أثرت في نفسي كثيرا و ربما يمتد تأثيرها لفترة طويلة قادمة.
الرواية: تراب الماس
المؤلف: أحمد مراد
عدد الصفحات: 393 صفحة
الناشر: دار الشروق
الطبعة الأولى يناير 2010