Monday, 15 June 2009

وعي المكان في عرس بغل







"عرس بغل" العنوان قد يكون تلك الكوة الصغيرة التي تفصل بين عالم القارئ وذلك العالم الداخلي الساحر، الساخر، عالم الرواية.
والعنوان قد يكون فاضحا يبرز تفاصيل هذا العالم، وقد يكون مخاتلا، ضبابيا، وقد يكون مثل "عرس بغل" بين بين؟
في الصفحة الرابعة من الكتاب (الغلاف) نجد تعليقا لدار النشر يقول: "عرس بغل..هو عالم مزج فيه الكاتب بين الواقعية والحلم والفنتازيا.." هذه الإشارة تكفينا للتكهن أن العنوان يمزج بدوره بين ما هو واقعي وحلمي وفنتازي..
على الرغم من هذه الإشارة لا زال عطش القراءة يلح علي كقارئ، ولا زلت أضع عيني في كوة العنوان، ماذا تراني أرصد في هذا العالم المتدفق المشحون؟ الشخصيات أم تلاوين وهلاوس الأحلام، أم توهج الواقع؟ أأبحث عن خيوط الحكايا وصناع الحكايا أم أفسر الايحاءات والانزياحات وأواكب حركية السرد المكوكية؟
في اعتقادي يستحق المكان في رواية "عرس بغل" أكثر من وقفة والتفاتة باعتبار أنه لا يشكل خلفية فحسب ولكنه حياة تسير وتصير بوعي وتصور متكاملين. إن أي قراءة تمر على المكان باعتباره مجرد خشبة أو منصة للشخصيات هي قراءة سطحية وأفقية.
إذن..دعونا ندخل إلى عالم "عرس بغل" من أرحب بواباته: بوابة المكان.


« عندما اجتاز الحاج كيان، سياج الصبار المحيط بالمقبرة، ووجد نفسه يتسلل بين القبور.. »(عرس بغل-ص7) هكذا تبدأ الرواية بتسييج الشخصية المحورية الحاج كيان في مكان هو «المقبرة».. لا زال (المكان) يمور ويتقدم بالسرد: «.. أنزل سلته بخيط إلى القعر، وراح يستعين بأغصان التينة الهرمة على النزول.. اتجه نحو الصخرتين انحنى وأقحم نفسه بينهما..» (عرس بغل-ص7).. حين يكون المكان هو حفرة في مقبرة يكون الوعي أعمق وأكبر، " المكان في الإبداع ليس الحياة بل وعيها.. المكان في الإبداع ليس فقط طبيعة ثانية، إنه حياة ثانية أيضا."
[1]
(مراحل الرحلة) عنوان الفصل الأول الذي يهيمن عليه مكان المقبرة، وكل تفاصيل هذا المكان من ايحاءات وأركان وزوايا، ما هي إلا بؤر لاكتشاف الذات وترميز المحكي.. حتى أن الحاج كيان يتماهى مع المكان "إنه جزء من التراب والوحل والمعادن.." (عرس بغل- ص12) وفق مبدأ الحلول الصوفي " العالم الذي هو كثرة له إشارتان؛ إشارة إلى نفسه وإشارة إلى الذات المندرجة في كل صورة من صوره"[2]
المكان عند الطاهر وطار خاصة إذا كان –مقبرة- هو شخصية أخرى تتماوج مع الواقع والحلم، لكن الأهم هو حضورها القوي الذي يوازي حضور الشخصية الرئيسية (الحاج كيان): "راحت المسافة بين قعر الخق وبين حافات فمه الكبير تتغير شيئا فشيئا.. بدأت ببعدها الطبيعي: حوالي المترين أو يزيد.. راحت كل المسافات تتباعد وانفتحت في رأسه وفي قلبه، هوتان لا أول ولا آخر لهما، وفي الحين شعر فيه بالتلاشي والذوبان، شعر أنه يحتل كل ما هنالك من مكان وزمان" (عرس بغل- ص8)
على هذا الأساس ليس مهما أن نتساءل عن طبيعة المكان "المقبرة" أهو واقعي أم حلمي أم فنتازي بقدر ما يهم اعتبار هذا المكان من بين الأمكنة التي تعج بقدرة لا مثيل لها على الايحاء والتأمل واستنهاض رؤى شمولية وكونية متعالية عن الحلم والواقع،.
".. مر بالأسواق المختلفة.. انفتحت في وجهه جميع البوابات، ووجد نفسه أخيرا في رحاب جامع الزيتونة الأعظم.." (عرس بغل- ص21) هذه الجملة هي بوابة السرد إلى مكان آخر من الأمكنة التي آثر السارد أ يعرج عليها، مكان العلم حيث تعلم الحاج كيان أبجديات المعرفة .. لا يرهقنا السارد بالوصف الملول للمكان والشخصيات.. لا يبهرنا بالمرور البانورامي على زوايا المكان، فقط يحضر المكان هنا ليؤسس لما بعده.. وهو يبدو لي وفق رؤيتان:
- رؤية ضيقة للمكان نحسها حين يضيق هذا المكان بكل تفكير " أدع لي القيم العام أيها الجزائري. سأطرده من جامع الزيتونة الأعظم وفروعه. كل فروعه. كل فروعه. أقسم بالله الناطق الفاتق أنه مطرود، مطرود، مطرود نهائيا" (عرس بغل-ص23).
- رؤية منفتحة للمكان: تسع هذه الرؤية جميع الأماكن، "في الشوارع والمقاهي وفي السحات العامة وفي القاعات السينمائية، في المسارح، في كل مكان يمكن أن يتجمهر فيه الناس..حسن الشيخ يقتحم دور البغاء ويبث الدعوة هناك.." (عرس بغل-ص24)
جامع الزيتونة في هذا الفصل ليس مكانا "موصوفا" بل "واصفا" إذ أصبحت كلمة "الزيتوني" صفة لكل من درس خلف أسوار هذا الجامع، وسيرد في الرواية هذا الوصف في أكثر من موضع، كله أعتبر هذا المكان من بين الأمكنة المؤسسة
[1]


سلطة المكان:
هل المكان في الإبداع طبقي..؟ على حد تعبير أحمد بوزفور وهو القائل: ".. يأتي مكان واحد ليسيطر على العمل الإبداعي الواحد، أما باقي الأمكنة فهي خدم له.."
[2]
ينطبق هذا بشكل كبير على المكان في "عرس بغل" فمكان العرس هو ماخور " وقفت العنابية في البهو، يداها في خصرها، ورأسها مرفوع، وبصرها يجول بسرعة في أبواب الغرف في الطابقين الأول والثاني" (عرس بغل- ص 13) نظرة العنابية وحدها كفيلة بأن تجعل القارئ يتخيل المكان الذي سيقضي فيه ساعات/ صفحات السرد.
هذا المكان سيرزح بثقله على مخيلة القارئ، يدغدغها، يداعبها، يسول للنفس الأمارة بالسوء.. يمتحنها؟ ! كذلك قال الحاج كيان لنفسه في بداية عهده بالماخور : ".. أبدأ التجربة من دار البغاء، يجب أن أقهر ذاتي قبل أن أقهر غيري، من لم ينتصر على نفسه، لن ينتصر على غيره، كل واحدة تثوب أجندها.." (عرس بغل- ص31).
الماخور الذي يرخي بأجنحته على كل ممرات السرد يقود إلى غرف العري.. يقود إلى الدهاليز السرية لعالم النساء "إن عري أجساد هذه الولايا يعكس عري واقعهن أيضا" ويقود إلى الدهاليز السرية في النفس "كلنا تلك الجرة الملآى بالقطران" (عرس بغل- ص62) وبذلك يحس القارئ أن الماخور يتوغل داخل نفسه، أو يفطن لعلاته.. المكان في الرواية يغدو مرآة، حتى أن البغايا وهن ينعتن بالضلال والبعد عن الدين تمنحهن الرواية صوتا لمواجهة الواعظ: " نعم نحن مسلمات. ولكن كل الذين يأتوننا أيضا مسلمون" (عرس بغل- ص35).
يتخذ المكان بعدا فنيا وجماليا حين يدخل في علاقة بلاغية فنية تفاعلية، إذ هو ليس خلفية تزيينية تأثيتية فحسب، بل هو مولد ومصدر هذه الصور الجمالية.تقول العنابية "اسمع عندما تكون واقفا في موضع على حافة جرف مثلا، ويهوي بك ذلك الجرف، من تلوم ؟ هل تلوم نفسك أو تلوم الجرف، أو تلوم من جعله يهوي.." (عرس بغل- ص46) لا تنفك مثل هذه الصور الشعرية تتوهج من حين لآخر، وهي فنية منبعثة من مركزية المكان في صور ابداعية، فنجد أيضا هذا القول الحكمي الجمالي ذي البؤرة المكانية: "إذا كان النبع واحدا فلم الجري وراء طعم مغاير للماء" (عرس بغل- ص105
إن ما يقع في الماخور من رقص وغناء وصراع وقتال من ضغائن وتطاحنات وانقلابات، ومن أفراح وأحزان ، عشق الجسد وعشق المال، يلخص لنا شيئا واحدا هو (الدنيا) بكل ما فيها من توافقات وتناقضات. فهل يمكن لهذا المكان الموبوء الضاج بالحياة أن يعكس كل شيء ويقول كل شيء؟

إن فرار الحاج كيان إلى المقبرة وهي المكان المتقابل مع الماخور، لينطوي على دلالات جوهرية أهمها:
1- النظر إلى الدائرة التي نحن بداخلها من مكان متسام خارجي، إذ كل واحد يتصورها كما يريد: فهي المعبد بالنسبة للزهاد (الزيتونيون) وهي الجنة للجياع إلى المال والجسد (الهزيون- البغايا- زوار الماخور..) وهي الحقيرة لكل من لم ينالوا نصيبهم منها (حمود الجيدوكا). الحكيم وحده ينظر إليها نظرة متعالية وهو ما تشي به هذه العبارة المفتاح: "عندما وجد الحاج كيان نفسه خارج الباب، بصق خلفه، كان الشعور بالتفاهة والحقارة، يملأ قلبه. البضاعة في الداخل مكدسة شرائح شرائح لا أحد يشعر بعفونتها ولا بنتانتها ما دامت تدر نقودا فهي جيدة، لا شيء رديء في هذا العالم إلا ما ليس له قيمة تجارية." (عرس بغل- ص130)
2- (كل ما هنالك ظاهر بلا باطن) (عرس بغل ص132) في الحفرة داخل المقبرة نلمس محاولة للتقويض من سلطة المكان –الماخور- الذي ظل مهيمنا طوال السرد، الحاج كيان بإصراره على التواجد في المقبرة عطلة نهاية الأسبوع يؤكد أن الحياة مظاهر وأن الماخور الذي بدى متلبسا في الشخصيات، في الأحلام ، في الواقع وتفاعلات الأحداث ، ما هو إلا فقاعة طافية فوق أقيانوس النظام الخفي المنطوي حيث يحصل الإنسان على معرفة وتجربة خطية تجعله في اتساق مع الكل. ولذلك فشخصيات الماخور تعيش على مستوى واحد من الوعي هو الظاهري والمادي.
3- المكان المفارق (المقبرة) التي يستنجد به الحاج كيان ليس هو مكان الحقيقة والاكتمال كما قد يتهيأ للوهلة الأولى فـ"الوعي من حيث الأساس هو نصف الحقيقة"
[1] لذلك نجد الحاج كيان يكتشف أحيرا: "العنابية إذن صادقة فيما تفعل، إنها تفعل ما يفعله جميع الناس،.. الأمر سيان. هذا هو النظام. وأنت في كل ما تفعل.. إما مسلم أو مسيحي أو يهودي أو بلا دين ، الأمر سيان.."(عرس بغل- ص132) هنا نجد أن الحاج كيان قد ارتد ردة عنيفة وهو يخرج من المقبرة "التفت الحاج كيان إلى الخلف، بصق ثلاث مرات، ثم واصل الإنحدار" (عرس بغل- ص134).
المكان في الإبداع حياة ووعي.. والماخور في دلالاته القوية يتسع ليشمل الحياة، في عودتنا إلى العنوان الذي كان المنطلق وسيكون المنتهى، وذلك لاعتباره يجسد روح النص وصورة مكثفة له. وعلى ضوء المحكي هذه المرة نخلص إلى ملاحظات أساسية تؤكد ما قلناه آنفا:
- كنت في عرس
- نعم في عرس
- عرس بغل ما في ذلك ريب
- وما الحياة سوى ذلك؟
إذن فالعرس إشارة إلى ضجيج الحياة وبهرجتها، إلى الفرح الكاذب ربما؟ إلى المظاهر الخادعة، وهذه الكلمة (عرس) تعرف بالإضافة (بغل) وهو انزياح يشي بسخرية طافحة وببلاهة وبلاهة أهل العرس وضجتهم التي تثير نوازع عديدة في شخصية الحاج كيان الذي لا يرى في العرس إلا مهزلة، وعلى الرغم من ذلك فهو ينتهي إلى أن "كل الأعراس عرس بغل، ولا داعي للهروب منها" (عرس بغل- ص133) فكل التراجيديا الإنسانية هي مهزلة ينظر إليها حينا بالحقارة وحينا آخر بسخرية ، لكنه يعيشها.

No comments:

Post a Comment