Monday, 9 February 2009

وقفة قبل المنحدر













"يجب أن نبكي من أجل كل شئ
ولكن..ليكن بكاؤنا جيدا
نبكي من الأنف... ومن الركب
نبكي من خلال السرة.. ومن الفم"



هذا ما ستشعر به بعدما تقرأ كتاب وقفة قبل المنحدر(يوميات مثقف مصري من1952 الى 1982) للروائي الرائع علاء الديب وهذا نص ما قاله الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب التي وضعها في نهايته!!! حيث قال عن كتابه"هذه الأوراق أراها محزنه,محيرة,وكئيبة. ولكنها صادقة صدق الدم النازف من جرح جديد..
الكتاب ليس سيرة ذاتية وبالتأكيد ليس رواية ربما هو اعتراف أو فضفضة ولكن أكثر مايميزه أنه صادق وحقيقي ينقل معاناة إنسان حائر ومحبط بدأ حياته وهو يحمل على عاتقه عبء تغيير العالم ومنحته ثورة يوليه المبررات الكافية ليطلق لحلمه العنان وفجأة انهارت كل أحلامه بنكسة 67 وأصيب بالإحباط والاكتئاب وفقد لإحساس بالأمان.
الكتاب ملئ بالتجارب التي قد يكون معظمها مرير، منها تجربته في الإبعاد عن العمل الصحافي، وقد جرى ذلك معه مرتين، في المرة الأولى أبعد عن عمله في مجلة صباح الأخير بعد اتهامه بالاشتراك في مؤامرة لا يعلم عنها شيئاً، وفى المرة الثانية، ألقت به التجربة في أتون حزن غامر وهو يقول عنها
.." لم أفقد في هذه التجربة الأمان فقط، أو ثقتي في مهنة الصحافة أو الكتابة، ولكنها كشفت لى عن معنى يتراكم في واقع حياتنا، ونحاول دائماً أن نتجاهله وهو: أن المعنى الحقيقي لكلمة مواطن مازال مفقوداً، ومازلنا نبحث عنه. كم ليلة أمضيتها وأنا أشعر أنني بلا وطن. "

يحكى المؤلف عن هذه التجارب وغيرها، عن موت عبد الناصر وهو في الغربة في المجر وأثر ذلك عليه وعلى الناس،ويحكي أيضا عن تجربته القصيرة للعمل فى إحدى صحف الخليج، عن أصدقاء تحولوا من النقيض إلى النقيض، عن الأبطال الذين سقطوا، والكبار الذين باعوا كل شيء من أجل حفنة أموال،و يقول: كتب الطبيب على أوراق الكشف الطبي الخاصة بي ,أنني (صالح للعمل في جميع الأجواء) .. هذه الجملة صيغة رسمية يكتبها الأطباء ... ولكن الجملة ظلت لاصقة بعقلي وإحساسي...... كل ما في قلوب المصريين من حضارة ومرونة – يتحول – هناك في بلاد الخليج حيث النفط الى غلظة قاسية... الرغبة الحارقة المتعجلة في المال تحول الإنسان إلى كائن آخر...... أفقدني التغير السريع المضطرب قدرتى على الانتماء، قدرتي حتى على التصديق، لم أكن مشاركاً ولم أكن مطلوباً عندما تحطم المشروع الكبير، تحول إلى كابوس وصنع بعض الناس الشطار من أشلاء المشروع وشظايا الكابوس مؤامراتهم الخاصة، الجريئة منها والدنيئة، أما أنا فقد وقعت بعد 67 ميتاً.
الكتاب من إصدار مكتبة الأسرة سنة 98 وأعادت نشره دار الشروق سنة 2008وأكثر ما يميز الكتاب أنه لم يسقط في فخ النمطية والتكرار من عينة أين تربي ومتي ولد ومتي تخرج وكيف نشأ كما لم يتقيد بالترتيب الزمني للأحداث فهو يحدثك عن مشاعر وأحزان ولا يؤرخ لفترة من التاريخ.
قرأته لأول مرة منذ أكثر من 10سنوات والى الآن مازلت أحن إليه قرأته أكثر من عشرين مرة وكل مرة أخرج منه بحاله فريدة من المتعة . الكتاب يحمل عبارات تمسني بعمق وتزلزل مشاعري فعندما أسمعه يقول" شيطان تلك الأيام كان يعمل بجد واجتهاد لكي لا تكتمل الأعمال ولا تتحقق الأحلام ,يعمل لكي يسود صراع دامي بين الناس,وأن تصل الى نهاية يومك منهكا مهدودا ,وأنت في الحقيقة لم تحقق شيئا.تغيرت معاني الكلمات ووجوه الناس , تغير الصوت والصدى. والتغير سنة الكون منذ كان لكنني أعتقد أن التغير لم يكن من قبل بهذه القسوة والسرعة والفظاعة."عندما أسمع تلك الكلمات أكاد أقسم أن هذا الرجل شق قلبي وأخرج منه الاحاسيس التي طالما عانيت كي أعبر عنها.

إذا كان يهمك أن تقرأ كلمات حقيقية بغض النظر عما ستثيره في نفسك من شجن وكآبه فستجد في هذا الكتاب ضالتك أما كنت من هؤلاء الذين لايحبون رؤية الحقيقة عارية ويفضلونها محتشمة ومحجبة فلن تجد في هذا الكتاب ما يغريك.



4 comments:

  1. على الرغم اني زبون دائم لمكتبة الشروق الا اني لم ارى ذلك الكتاب الرائع
    بأحب جدا الكتب التي تتناول وجهة نظر صاحبها من احداث تاريخية تؤثر في وطن بأكمله
    شوقتني اني اقرأه يابو كريم
    بس لي سؤال
    هو كان بيتكلم عن الحقبة الناصرية ولا الايام دي؟
    الكلام ينطبق على مصر 2009 بالضبط
    تحياااتي

    ReplyDelete
  2. إزيك ياعم أحمد
    طبعا الكتاب بيتكلم من52 الى82 لكن لأننا شعب بيعشق الاستقرار فكلامه بينطبق علي 2009 وهينطبق على 2019 و2029 نفس الاحباط والألم والإحساس المر بإن البلد مش بلدنا
    البلد دي بلد الباشا سيادة اللوا والعيال الباشوات ولاد الباشا سيادة اللوا

    ReplyDelete
  3. طبعا يا سمير انت ماتعرفش ان كريم يبقى ابن خالى
    مبروك يا كيمو وبطل كسل
    محمد مشهور

    ReplyDelete
  4. قرأته منذ اكثر من 5 سنوات
    نسخه مكتبه الاسره
    اسلوب علاء الديب فعلا يخليك تتفاعل معه ومع تجربته
    يمكن اكتر مقوله فكراها من الكتاب الجميل دا
    (( ذاكرتى للمرض والمحنه
    ذاكرتى للضوء وظلام الهاويه
    ذاكرتى حريتى عذابى
    اتمسك بها وتتمسك بى
    مع ذاكرتى أحارب أخر معى
    وفيها لا اقبل الهزيمه

    -----------
    مثال باختصار لمن يحي ليقاوم

    ReplyDelete