Sunday, 22 February 2009

الباخرة كليوباترا


هي دي دار ميريت
تنقب عن الجواهر وتبحث عن المواهب بغض النظر عن الأسماء
من وجهة نظري ان لكل دار نشر طابع يميز اعمالها...فدار الشروق غالبا ما تنشر للأسماء الكبيرة والروائيين او الكتاب ذائعي الصيت اما اطلس على سبيل المثال فتهتم اكثر بالكتابات الساخرة خاصة كتابات عمر طاهر و يوسف معاطي
اما ميريت فلقد قررت ان تنهج النهج الأصعب...قررت ان تراهن على الموهبة والموهبة فقط
وكما اتحفتنا من قبل بأعمال رائعة ك (فيرتيجو) لأحمد مراد و (الفاعل) لحمدي ابو جليل وطبعا (يوتوبيا) للدكتور أحمد خالد توفيق....وغيرهم
ها هي تقدم لنا (الباخرة كليوباترا) لمحمد معروف
رواية غريبة جديدة في مضمونها....جديدة في اسلوب كتابتها....فهي لا تعتمد على خط واحد للأحداث بحيث يكون شخص واحد هو بطل للرواية بل هي رواية بلا بطل
فلا يوجد بطل للرواية..انما بطلة الرواية هي الباخرة كليوباترا التي تبحر من القاهرة الى ابوسمبل في رحلة نيلية وعلى متنها شخصيات الرواية
حتى اني لأعتقد ان الباخرة كليوباترا هي الأخرى ليست بطلة الرواية فكثير من الأحداث وخلفيات الشخصيات تتم خارج الباخرة وقبل ان تبحر
الرواية تدور احداثها في 19 فصل بنظام الراوي...فكل فصل من ال 19 يرويه راو مختلف عن الفصل التالي او السابق.....وهو اسلوب غريب ولم يسبق لي ان قرأت رواية بهذا الأسلوب الجميل والممتع في السرد
وتمتاز الرواية بتعدد وتنوع شخصياتها ما بين مصريين واتراك و روس وبريطانيين وامريكان وايطاليين....فأحد خطوط الرواية هو خط الأمير عمر كمال وهو عم الملك فاروق والحاشية المحيطة به من موظفين وخدم وسكرتارية
وهناك خط اخر لأحفاد العثمانيين الذين يبحثون عن مجوهرات ضائعة تم سرقتها عن طريق احد عائلات الأرمن الذين كانوا يعملون خدما لدى العثمانيين ثم هربوا بالمجوهرات الى مصر
خط اخر داخل الرواية عن عملية تبادل لأحد الجواسيس بين الروس والبريطانيين وما يتم في هذه العملية من مناورات وتكتيكات والاعيب مخابراتية عجيبة بل مدهشة وستجد نفسك مشدوها مصدوما اثناء متابعتك للأحداث داخل الرواية
كل هذه الشخصيات والأحداث داخل الرواية تتم بلا رابط يجمع بينهم الا وجودهم على سطح الباخرة كليوباترا اثناء رحلتها النيلية
الرواية ممتعة وكما ذكرت فهي جديدة في طريقة السرد والحكي وابهرني الكاتب محمد معروف في مزجه بين بعض الأحداث التاريخية وبين الخيال الروائي فتكتشف بعد نهاية الرواية انه لم يكن هناك شخصية اسمها الأمير عمر كمال على الرغم من تفاعلك كقارىء مع الشخصية لدرجة ان تعتقد انه شخصية حقيقية وتاريخية
كما انه كان يوجد بالفعل-كما ذكر الكاتب- جاسوس بريطاني يدعى سيدني رايلي الا انه لم تحدث اية عمليات تبادل للجواسيس بين الدولتين
في نهاية الرواية يذكر الروائي محمد معروف بعض المصادر التي اطلع عليها اثناء كتابته للرواية والتي استطاع من خلالها ان يمزج الحقائق التاريخية بالخيال الدرامي الممتع والمشوق
الا انه ما يؤخذ على الرواية-من وجهة نظري المتواضعة- هي كثرة عدد الشخصيات مع صغر حجم الرواية (188صفحة) وبالتالي احسست كقارىء ان في عدد كبير من الشخصيات لم تأخذ حقها
لم نتعايش ونتفاعل معها.....كل خط درامي به عدد من الشخصيات كل شخصية تصلح بطلة لرواية مستقلة وبالتالي هناك عدد كبير من الشخصيات بدأت الرواية وانتهت بدون اي دور ملموس لهم على الرغم من خلفياتهم الثرية دراميا وروائيا
الرواية بها حوالي 30 شخصية ومعظمها ان لم يكن كلها شخصيات مؤثرة في احداث الرواية واعتقد ان الرواية كانت بحاجة لأن تطول اكثرمن ذلك مع تناول الشخصيات باسلوب اعمق
الا ان هذا لا يتعارض مع كون الرواية من امتع الروايات التي قرأتها مؤخرا...حقيقة هي رواية لن تنسى بسهولة...واعتقد انها لن تنسى ابدا
الكاتب محمد معروف:
سأنتظر اعمالك القادمة ان شاء الله وارجو ان تظهر هذه الأعمال للنور سريعا فلو كانت الأعمال القادمة بنفس مستوى (الباخرة كليوباترا) فلسوف تثري المكتبة العربية بأروع الروايات وتكون الرواية العربية قد كسبت واحدا من فرسانها في السنوات القادمة
الرواية: الباخرة كليوباترا
.....الناشر دار ميريت 188 صفحة
الطبعة الأولى صدرت في 2008

Sunday, 15 February 2009

رواية شيكاغو

انتهيت من قراءة رواية شيكاغو للدكتور : علاء الأسواني في ثلاث ايام , حيث جذبتني الرواية من البداية و كأنني أمام مسلسل أو فيلم تتصاعد أحداثة و جعلني هذا غير قادر على ترك الكتاب الا بعد الانتهاء منه و الوصول الي نهاية الاحداث

بدأ الكاتب روايته بمقدمة عن تلك المدينة الأمريكية (شيكاغو ) و التي كانت مسرح للإحداث و عرض نبذة تاريخية لتلك المدينة منذ نشأتها حتى وصلت للوقت الحالي مرورا بتلك ألازمات و الحريق الذي قضي عليها في الماضي لكنها بفضل أبنائها عادت من جديد بل أكثر جمالا مما سبق حتى صارت ملكة الغرب الامريكي

بعد تلك المقدمة بدا الكاتب يعرض شخصيات الرواية و كأنك فتحت كنز به كل أنواع و أشكال البشر , و بالتأكيد ستجد نفسك قريب إلى واحد من تلك الشخصيات او مزيج من تلك الشخصيات , و عموما بدأ الكاتب بعرض شخصية شيماء المحمدي الفتاة البسيطة التى جاءت من طنطا إلى شيكاغو في بعثة لتحصل على الدكتوراه لأنها كانت متفوقة في دراستها و من ثم ينتقل الى شخصية اخري في اللحظة التي تكون الاحداث في ذروتها و هكذا يتركك مشتاق الى معرفة ماذا حدث بعد ذلك و تتوالي الشخصيات الواحدة تلو الاخري بشكل مثير

و الغريب أن الكاتب كان متعمق في وصف كل شخصية بشكل يثير الإعجاب لدرجة أن الوصف كان يصل إلى ادق التفاصيل حتى وصل الى التفاصيل الجنسية , و بالفعل فقد تناول الكاتب الحياة الجنسية لمعظم الشخصيات , ربما أراد الكاتب أن يثبت لنا أن الجنس جزء أساسي في حياتنا و يجب ألا نخجل من الحديث عنه و بالتأكيد كل شخصية كان الجنس يختلف شكله و تاثيرة و طريقة اشباعه باختلاف الشخصية

تناولت الرواية الكثير من المشاكل التي يعاني منها المجتمع المصري على الرغم من أن أحداث الرواية في مدينة شيكاغو و بالطبع معظم المشاكل كانت سياسية

وتمثل الجانب السياسي الثوري في شخصية ناجي عبد الصمد و كذلك الدكتور القبطي كرم دوس الذي ترك مصر نتيجة للاضطهاد الديني من الدكتور رئيس قسم الجراحة المشرف عليه و جاء إلى أمريكا و حقق نجاها باهرا وأصبح من اشهر جراحي القلب في العالم

و قد دار بين تلك الشخصيتين حوار في بداية تعارفهم و تتطور الحوار إلى نشوب معركة حادة بينهم و هذا جزء من حوارهم :

- لكن الأقباط مضطهدون في مصر !
- المصريون جميعا مضطهدون .. النظام في مصر مستبد و فاسد .. و هو يضطهد المصريين جميعا , مسلمين و أقباط .............. إن التعصب الديني نتيجة مباشرة للكبت السياسي
- المشكلة في رأيي ليست بين المسلمين و الأقباط , و إنما بين النظام و المصريين
- أذكرك بأن المصريين يموتون يوميا في أقسام الشرطة و مقار أمن الدولة من شدة التعذيب .. الجلادون لا يفرقون بين مسلم و قبطي

و من اكتر الكلمات التي أعجبتني في الرواية ذلك الحوار الذي دار بين الدكتور محمد صلاح و بين زينب التي أحبها عندما كان شابا و لكنه تركها لأنها كانت تحب مصر و لم ترضي أن تتركها و تهاجر معه وعندما شده الحنين للماضي و عاود الاتصال بها بعد مرور ثلاثين عاما , كان هذا جزاء من الحوار الذي عرضت فيه زينب مشكلة الشعب المصري الحالية :

- كيف تحولت مصر بهذه الطريقة ؟
- القمع , الفقر , الظلم , اليأس من المستقبل .. غياب أي هدف قومي . المصريون يئسوا من العدل في هذه الدنيا فصاروا ينتظرونه في الحياة الأخرى ! .. ما ينتشر في مصر الآن ليس تدينا حقيقيا , و إنما اكتئاب نفسي جماعي مصحوب بأعراض دينية !

و قد كان مشهد الذروة بالنسبة لي عندما وصل الرئيس المصري إلى شيكاغو و تلك اللحظات التي سبقت صعود الدكتور محمد صلاح لالقاء البيان الذي يحمل مطالب الشعب المصري و الذي يمثلة الطلبة المصريين في شيكاغو , كان البيان يطالب بالحرية و العدل و الديمقراطية للشعب المصري و التنحي عن الحكم

كان قلبي يخفق بشدة
و لم يكن لدي اى توقعات عن ما سوف ممكن أن يحدث و لكن تراجع دكتور محمد صلاح في اللحظة الأخيرة عن قراءة البيان المعد لكشف النظام و إحراجه أمام كاميرات العالم جعلني اشعر بخيبة امل و اعتقد هذا ما دفع الدكتور صلاح إلى الانتحار بعد ذلك

على الرغم من أن النهايات لكل الأحداث تركت مفتوحة إلا أن هذا كان أكثر واقعية فلا يستطيع احد أن يتوقع كيف سيكون المستقبل لتلك الشخصيات و احي الدكتور علاء على هذا العمل الرائع

Monday, 9 February 2009

وقفة قبل المنحدر













"يجب أن نبكي من أجل كل شئ
ولكن..ليكن بكاؤنا جيدا
نبكي من الأنف... ومن الركب
نبكي من خلال السرة.. ومن الفم"



هذا ما ستشعر به بعدما تقرأ كتاب وقفة قبل المنحدر(يوميات مثقف مصري من1952 الى 1982) للروائي الرائع علاء الديب وهذا نص ما قاله الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب التي وضعها في نهايته!!! حيث قال عن كتابه"هذه الأوراق أراها محزنه,محيرة,وكئيبة. ولكنها صادقة صدق الدم النازف من جرح جديد..
الكتاب ليس سيرة ذاتية وبالتأكيد ليس رواية ربما هو اعتراف أو فضفضة ولكن أكثر مايميزه أنه صادق وحقيقي ينقل معاناة إنسان حائر ومحبط بدأ حياته وهو يحمل على عاتقه عبء تغيير العالم ومنحته ثورة يوليه المبررات الكافية ليطلق لحلمه العنان وفجأة انهارت كل أحلامه بنكسة 67 وأصيب بالإحباط والاكتئاب وفقد لإحساس بالأمان.
الكتاب ملئ بالتجارب التي قد يكون معظمها مرير، منها تجربته في الإبعاد عن العمل الصحافي، وقد جرى ذلك معه مرتين، في المرة الأولى أبعد عن عمله في مجلة صباح الأخير بعد اتهامه بالاشتراك في مؤامرة لا يعلم عنها شيئاً، وفى المرة الثانية، ألقت به التجربة في أتون حزن غامر وهو يقول عنها
.." لم أفقد في هذه التجربة الأمان فقط، أو ثقتي في مهنة الصحافة أو الكتابة، ولكنها كشفت لى عن معنى يتراكم في واقع حياتنا، ونحاول دائماً أن نتجاهله وهو: أن المعنى الحقيقي لكلمة مواطن مازال مفقوداً، ومازلنا نبحث عنه. كم ليلة أمضيتها وأنا أشعر أنني بلا وطن. "

يحكى المؤلف عن هذه التجارب وغيرها، عن موت عبد الناصر وهو في الغربة في المجر وأثر ذلك عليه وعلى الناس،ويحكي أيضا عن تجربته القصيرة للعمل فى إحدى صحف الخليج، عن أصدقاء تحولوا من النقيض إلى النقيض، عن الأبطال الذين سقطوا، والكبار الذين باعوا كل شيء من أجل حفنة أموال،و يقول: كتب الطبيب على أوراق الكشف الطبي الخاصة بي ,أنني (صالح للعمل في جميع الأجواء) .. هذه الجملة صيغة رسمية يكتبها الأطباء ... ولكن الجملة ظلت لاصقة بعقلي وإحساسي...... كل ما في قلوب المصريين من حضارة ومرونة – يتحول – هناك في بلاد الخليج حيث النفط الى غلظة قاسية... الرغبة الحارقة المتعجلة في المال تحول الإنسان إلى كائن آخر...... أفقدني التغير السريع المضطرب قدرتى على الانتماء، قدرتي حتى على التصديق، لم أكن مشاركاً ولم أكن مطلوباً عندما تحطم المشروع الكبير، تحول إلى كابوس وصنع بعض الناس الشطار من أشلاء المشروع وشظايا الكابوس مؤامراتهم الخاصة، الجريئة منها والدنيئة، أما أنا فقد وقعت بعد 67 ميتاً.
الكتاب من إصدار مكتبة الأسرة سنة 98 وأعادت نشره دار الشروق سنة 2008وأكثر ما يميز الكتاب أنه لم يسقط في فخ النمطية والتكرار من عينة أين تربي ومتي ولد ومتي تخرج وكيف نشأ كما لم يتقيد بالترتيب الزمني للأحداث فهو يحدثك عن مشاعر وأحزان ولا يؤرخ لفترة من التاريخ.
قرأته لأول مرة منذ أكثر من 10سنوات والى الآن مازلت أحن إليه قرأته أكثر من عشرين مرة وكل مرة أخرج منه بحاله فريدة من المتعة . الكتاب يحمل عبارات تمسني بعمق وتزلزل مشاعري فعندما أسمعه يقول" شيطان تلك الأيام كان يعمل بجد واجتهاد لكي لا تكتمل الأعمال ولا تتحقق الأحلام ,يعمل لكي يسود صراع دامي بين الناس,وأن تصل الى نهاية يومك منهكا مهدودا ,وأنت في الحقيقة لم تحقق شيئا.تغيرت معاني الكلمات ووجوه الناس , تغير الصوت والصدى. والتغير سنة الكون منذ كان لكنني أعتقد أن التغير لم يكن من قبل بهذه القسوة والسرعة والفظاعة."عندما أسمع تلك الكلمات أكاد أقسم أن هذا الرجل شق قلبي وأخرج منه الاحاسيس التي طالما عانيت كي أعبر عنها.

إذا كان يهمك أن تقرأ كلمات حقيقية بغض النظر عما ستثيره في نفسك من شجن وكآبه فستجد في هذا الكتاب ضالتك أما كنت من هؤلاء الذين لايحبون رؤية الحقيقة عارية ويفضلونها محتشمة ومحجبة فلن تجد في هذا الكتاب ما يغريك.



Sunday, 1 February 2009

رواية .. إحدى عشرة دقيقة


قرأت مؤخرا رواية احدى عشرة دقيقة التى جئت بها لكم اليوم , الرواية من تأليف الكاتب البرازيلي ( باولو كويلهو ) و ترجمة الرائع ( روز مخلوف ) .. كم اعجبتني هذه الرواية , كم اثارت داخلي متناقضات و افكار , ربما وصلت بي لدرجة الصدمة . نعم ربما من يقراء النبذة المختصرة عنها سيجد انها عن فتاة بسيطة تحترف العمل في البغاء , و لكن الرواية تستحق القراءة و خصوصا ترجمة روز مخلوف , و اعتذر اننى لم اجد لكم الا ترجمة لشخص اخر .. المهم الموضوع ليس ببعيد .

تعرض الرواية حياة ماريا بطلة الرواية منذ الطفولة و التى لا تختلف كثيرا عن اى فتاة عادية , خبراتها في الحياة قليلة , و لكنها تحب المغامرة , تبدأ المغامرة بسفرها الى مدينة قريبة من قريتها , و هناك تبدا مغامرة اكبر .. لن احكي لكم التفاصيل , و لكن اشد ما اعجبني انها لم تكن فتاة عادية , فقد كانت تفكر و كانت تكتب يومياتها و ارائها عن الحب و الجنس و سأعرض لكم بعض من تلك الكلمات التي اعجبتني :

مؤكد أن الحب قادر على تغيير كل شىء في حياة شخص خلال زمن لا يذكر . و لكن – و ذاك هو الوجه الآخر للأمور- من شأن شعور آخر أن يدفع الكائن البشري لاتخاذ وجهة أخرى مختلفة تماما عن تلك التي رمى اليها : اليأس . نعم ، ربما يستطيع الحب تغيير انسان ما ، لكن اليأس قد يتمكن من ذلك على نحو أسرع



و كتبت ايضا في يومياتها :

تحت تأثير الهوى ، لا يعود الانسان يأكل أو يشرب أو ينام أو يعمل ، يفقد الانسان سلامه . كثير من الناس يصابون بالخوف لأنه ، أثناء عبوه ، يسحق كل ما له صله بالماضي

وهناك من يفكرون بطريقة معاكسة تماما : انهم يستسلمون للتيار دون تفكير ، آملين العثور في الهوى على حل لجميع مشاكلهم . يحمّلون الاخر كل مسئولية سعادتهم ، و يجعلونه مسؤلا عن تعاستهم المحتملة . انهم مغتبطون دوما لأن شيئا رائعا حدث لهم ، أو محبطين لأن حدثا غير متوقع قد دمّر كل شىء
حماية النفس من الهوى أو الاستسلام له بشكل أعمى ، أي من هذين الموقفين هو الأقل تدميرا ؟
لا أعرف


قابلت ماريا ، بطبيعة عملها ، الكثير من الرجال بشخصيات مختلفة و يختلف دورها دوما باختلاف شخصية من ينام معها , و لكن دوما كان اللقاء لا يتعدي احدى عشر دقيقة , رأت ماريا ان تلك الاحدى عشر دقيقة تساهم بشكل كبير في تكوين شخصية الانسان و ربما تعتبر المحور الذي يدور حوله العالم , و ربما تكون الدافع و المحرك لكثير من الامور التي يقوم بها الانسان في حياته .. الى ان قابلت رالف هارت , لم تكن لقاءاتها به لقاءات جنسية .. و كتبت عن ذلك :


الشخص القادر على الاحساس يعرف أن الاستمتاع ممكن حتى قبل ملامسة الآخر . الكلمات ، النظرات ، هذا كله يحتوي على السعادة

من يراقب الشخص الذي طالما حلم به و يكتشفه يعرف ان الطاقة الجنسية تسبق العلاقة الجنسية . ليس الجنس أكبر متعة ، بل الشغف الذي يمارس به . حين يكون هذا الشغف من نوعية عالية يأتي الجنس لاتمام السعادة ، لكنه ليس الشىء الجوهري أبدا

الانسان العاشق يمارس الحب طوال الوقت ، حتى و هو لا يمارسه . حين يلتقي الجسدان فان الكأس يفيض فقط . و يستطيعان البقاء معا ساعات ، بل أياما . يمكنهما البدء في يوم و الانتهاء منها في اليوم التالي ، أو عدم الانتهاء منها من شدة المتعة . لا علاقة لهذا بالأحدى عشرة دقيقة


و على الرغم من احساسها العارم بالحب تجاه رالف هارت الا انها قررت الانسحاب من حياته


وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها عشية قررت ان تشترى تذكرة العودة :
" كان ما كان , كان عصفور له جناحان رائعان بريشات براقة والوان رائعة . كان مخلوقآ ليحلق فى سماء الحرية , ويدخل السرور على قلوب هؤلاء الذين يراقبون تحليقه

ذات يوم , رأت أمراة هذا العصفور وفتنت به . شاهدته يطير مندهشة حتى حدود الانبهار , وقلبها يخفق بجنون , وعيناها تلتمعان من شدة الانفعال . دعاها العصفور لمرافقته . وطار معآ وهما فى كامل الانسجام . كانت متيمة بالعصفور , تحتفى بجمالة طوال الوقت .

لكن المرأة فكرت ذات يوم " ترى هل يتوق الى اكتشاف جبال بعيدة ؟ خافت , خافت أن يرحل والا تقع فى الحب مرة ثانية , احست بالغيرة , غارت من قدرة العصفور على الطيران

أحست انها وحيدة

فكرت فى المرة المقبلة , حين يظهر العصفور سأنصب له فخ وهكذا لن يتمكن من الطيران مجدداً .

عاد العصفور , الذى كان هو آيضاً مفتونآ بها , لرؤيتها فى اليوم التالى , فوقع فى الفخ واحتبسته فى قفص .

كل يوم , كانت المرأة تراقبه بشغف وتعرضه أمام صديقاتها فيهتفن , ما أسعدك وما أوفر حظك ! ومع ذلك , بدأت الامور تتغير بشكل غريب , بما ان العصفور صار ملكها ولم تعد بحاجة لان تعمل على كسب وده , لم تعد المرأة تهتم به . والطائر الذى لم يعد فى امكانه التحليق والتعبير عن معنى لحياته , بدأ ريشه يذبل ويفقد بريقه , ويتحول جماله الى قبح . ولم تعد المرأة توليه اى اهتمام , بل اقتصرت عنايتها به على اطعامه وتنظيف قفصه

وذات يوم , مات العصفور , فحزنت المرأة للغاية , ولم تكف عن التفكير فيه . لكنها لم تكن تتذكر قط القفص . تذكرت فقط اليوم الذى لمحته فيه لأول مرة , وهو يطير بعيدى محلقى فوق الغيوم

لو انها استجابت لدوافع مشاعرها كما ينبغى , لأدركت ان الشئ الذى اثار انفعالها عندما التقت العصفور كان حريته , والطاقة الكامنة فى جناحيه , وليس حسن شكله الخارجى
فقدت حياتها معناها عندما فقدت العصفور . وجاء الموت يقرع بابها .

سألت المرأة الموت :
- لم جئت .
فأجاب :
-لكى تتمكنى من الطيران معه مجددآ فى السماء , لو أنك تركته يرحل ويعود فى كل مرة . لكنت استطعت كسب وده , ولازداد أعجبك به اكثر فأكثر . من الان فصاعدا , انت فى حاجة الى لكى تقدرى على استعادته


*** من يوميات ماريا العائدة الى بلدها :
يوجد المثل نفسه في جميع لغات العالم : البعيد عن العين ، بعيد عن القلب . أؤكد أنه لا يوجد ما هو أكثر خطأ من ذلك ؛ فكلما ابتعدنا أكثر أصبحت العواطف التى نحاول خنقها و نسيانها أقرب الى القلب . اذا كنا في المنفى أردنا الاحتفاظ بأدنى ذكرى عن جذورنا ، و اذا كنا بعيدين عمن نحب كل شخص يمر في الشارع يذكرنا به


هل حقا نستطيع ان نحيى و من نحبه بعيدا عنا ؟ ام ان كلام ماريا صحيح و ان الحب يعيش رغم كل شىء , و رغم المسافات , و يكفينا ان نحيى على ذكريات من نحب الى ان يحين اللقاء ؟؟